كيف يمكن إيقاف الحرب في غزة
من الصعب إيقاف الحروب التي تختفي خلفها صراعات عميقة ما لم تحدث تغييرات في الخارطة العسكرية على الأرض، وفي حالة غزة لا يوجد معادلة عسكرية واضحة لأن الجغرافيا أقل بكثير من أن يجدي معها التغيير الميداني على الأرض، نظراً لأن الأعباء المترتبة على احتلال غزة هي الجانب الثقيل في المعادلة بالنسبة لإسرائيل، لهذا، تمارس إسرائيل لعبة المعركة المتحركة، من اقتحام وانسحاب، والدوران العسكري في مربعات محدودة، ما يجعل حكومة نتنياهو تظهر أمام العالم أنها تواجه حرباً كبيرة، تتطلب كل هذا الحشد الميداني، وهو بالمقابل ما تقرؤه حماس والخطاب الإعلامي المساند لها أن العملية برمتها صمود أسطوري، وهزيمة نكراء، تجعل إسرائيل تقتحم بعض الوقت ثم تهرب من المواجهة الميدانية.
إشكالية المدنيين العالقين بين الطرفين هي معيار المصالح المشتركة المغلفة بخطاب البطولة من طرف حماس، وتضخيم قوة حماس من الطرف الإسرائيلي، وهي المعادلة التي تطيل أمد الحرب إلى غير المنظور، ناهيك عن أساسيات الحرب المعلنة من الطرف الإسرائيلي، والتي هي استعادة المحتجزين عند حماس، وهزيمة هذه الحركة التي تسببت بالسابع من أكتوبر بداية الأزمة العصية على الحل.
لكن ما كان ممكنا من قبل لا يزال قائماً، ويتمثل في إخراج معادلة المحتجزين من ملف الحرب القائمة الآن، بمعنى أن حماس كان عليها أن تقوم من قبل بتسليم المختطفين إلى الأشقاء في مصر، حفاظاً على حياتهم أولاً لأنهم معادلة الحرب الأساسية، أضف إلى ذلك أن مصر سبق لها أن أطفأت نيران خمسة حروب سابقة بين حماس وإسرائيل، كما أن لدى مصر من الآليات الدبلوماسية القوية التي تؤهلها لأن تبقى اللاعب الأول في إطفاء نيران الحرب الأخيرة، أو على تحجيمها بالقدر المطلوب، وهذا من الممكن أن يحدث الآن فيما لو قامت حماس بتسليمها المحتجزين الإسرائيليين والأجانب، غير أن عقدة حماس بقيت هي معادلة الانتصار، وبالتالي هذه المعادلة قائمة على سلامة المدنيين، وحجم المعاناة اليومية التي لا توصف أبداً، فلم يحدث عبر التاريخ أن وقعت حرب بهذه الدرجة على مساحة صغيرة من الأرض، ينتشر فيها قرابة مليوني إنسان في العراء الضيق، ومع هذا العراء الضيق تضيع المعايير الإنسانية، فالحصة الوحيدة من الماء الصالح للشرب هي 8 بالمئة فقط من مياه أغلبها ملوث، وفي طعام محدود، وانعدام تام لمتطلبات الصحة اليومية، فالدمار الشامل لشبكات الصرف الصحي، واختفاء الساتر الإنساني وهو يجيبك عنه صمت المرأة التي لا تجد مكاناً يسترها بين أكوام البشر المتراصة.
من هنا، إذا تسلمت مصر المحتجزين فالطريق نحو الهدنة بدأ ينطلق، لأن مبرر الحرب الأول انتهى بخروج الرهائن إلى مكان آمن، خصوصاً وأن مصر تربطها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وبالتالي تبقى المعادلة الإسرائيلية الثانية للحرب مع حماس رهن معادلات سياسية جديدة، سوف تفرض قسراً وقفاً لإطلاق النار، والذهاب نحو اليوم التالي للحرب في غزة، وتلك معادلة أخرى تعيد فتح ملف غزة ما بعد الحرب، وما هو الدور الدولي والعربي وما دور السلطة الفلسطينية وغير ذلك.
المعادلة الثانية وهي معادلة الوقت التي تريدها حماس، والتي ترضي نتنياهو الذي يواجه انقسامات حادة في الداخل الإسرائيلي لكن استمرار الحرب يتيح له الهروب من مجمل المشاكل المعقدة، وبالتالي تصبح معادلة حماس مفيدة، فهو سوف يستمر في المناورة العسكرية بحيث لا ينهي الحرب في غزة، بينما حماس تسير نحو مزيد من الوقت الذي تبحث عنه، وهذا ما كان واضحاً من خطاب إسماعيل هنية صبيحة العيد، فهو عندما اشترط مشاركة روسيا والصين في التوقيع على اتفاق الهدنة هو لم يكن يطلب اتفاقاً يضمن سلامة المدنيين ولكن كان يريد اتفاقاً من نوع مختلف، فمسألة الذهاب الى اتفاق برعاية روسية وصينية يعني أن هنية يطالب اتفاقاً برعاية دولية، وبالتالي ما هو هذا الاتفاق الدولي الجديد، فهل هو يريد بديلاً لاتفاق أوسلو، وتبقى المسألة الثانية وهي مسألة التوافق على جلوس روسيا والصين إلى جانب أمريكا فكم يحتاج هذا من الوقت لإجراء الاتصالات وعرض وجهات النظر، وبالتالي هل تقبل أمريكا وإسرائيل الذهاب إلى معادلة دولية بهذا الشكل.
نقول هذا علماً أن روسيا لم تجلس مع أمريكا من أجل الحرب في أوكرانيا فهل ستأتي إلى طاولة غزة لكي تساهم في إطلاق خمسة مختطفين أمريكيين هم جل ما يريده الرئيس الأمريكي بايدن المقبل على الانتخابات والذي تلاشت خطته ويئس من إطفاء هذه الحرب.