غزة، ثنائية الدم والشرعية
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
ما بعد الحروب كافة، يصبح تشريع المكاسب المادية على الأرض بحاجة للحصول على مشروعية سياسية على طاولة المفاوضات، والتي بدورها تختتم صراعاً مفتوحاً أو فصلاً منه، في ثنائية الدم والشرعية التي يبحث عنها كل طرف من خلال الشروط التي يضعها على الطاولة، غير أنه في حالة الحرب في غزة يأخذ الجدل مفارقة غير مسبوقة على مستوى الحروب، لأن طاولة المفاوضات حضرت منذ الأشهر الأولى للحرب وهي مشتعلة وغاب وقف إطلاق النار.
فالجدل حول الطاولة لا يتناول اليوم التالي لنهاية الحرب فقط وماذا سيحصل كل طرف، خصوصاً وأن الحرب بقيت تأخذ شكلاً مغايراً للحروب المألوفة، فالتقدم الميداني لإسرائيل لا يغير في المعادلة السياسية كثيراً، لأن المساحة الجغرافية في غزة مليئة بالمدنيين، الذين يتم إجبارهم على النزوح من مكان إلى آخر وسط أماكن محدودة ضيقة، بين كتلة الدمار الهائلة، والتي بلغت 40 مليون طن بحسب آخر تقرير للأمم المتحدة، فيما الانجاز السياسي غير متاح، لأن النتائج التي يبحث فيها الوسطاء لم تصل بعد إلى التوافق نظراً لاصطدامها بالجدل حول اليوم التالي قبل توقف الحرب ذاتها.
إسرائيل في بياناتها المعلنة تريد فصل قطاع غزة من محور نتساريم أي المنطقة الضيقة من القطاع والتي يبلغ طولها من شرق القطاع إلى البحر مسافة خمسة كيلو مترات فقط، والواقعة بالضبط جنوبي مدينة غزة وقد أعادت إسرائيل احتلالها منذ بداية الحرب وبذلك فصلت شمال القطاع عن جنوبه، وتريد إسرائيل من خلال هذه الخطوة أن تفرض فصلاً كاملاً في هذه الجغرافيا. فقد حاولت ولا تزال تحاول أن تفرض إقامة إدارة مدنية في القسم الشمالي من القطاع، غير أنها واجهت رفضاً من العائلات الكبيرة هناك، وأما الإشكالية الثانية في احتلال معبر رفح، والرفض الإسرائيلي لعودة السلطة الفلسطينية الى هذا المعبر، قد يبدو بمثابة عملية تقليص لمطالب نتنياهو قبيل الحرب والتي تمثلت في القضاء نهائيا على حركة حماس.
غير أنها على أرض الواقع نسفت الاتفاقات التي بموجبها غادرت قطاع غزة سواء من خلال اتفاق أوسلو، أو خطة فك الارتباط الأحادية عام 2005 والتي أخلت بموجبها إسرائيل محور نتساريم الذي كان يضم الطريق الواصل بين المستوطنات الإسرائيلية وسط غزة، وهي الخطة التي تمت بدون اتفاق مع السلطة الفلسطينية ما يعني بالضبط أن إسرائيل في إعادة احتلالها لهذا المحور هي فقط كل ما تقوله أنها تخلت عن خطة الفصل وتريد فرض معادلة جديدة واتفاق جديد، وبمعنى آخر إن الغاء خطة الفصل التي تمت عام 2005 هو أيضا قد يعني عودة الاستيطان في هذا المحور كما كان قبل تنفيذ الخطة عام 2005.
أما في جانب حماس، فقد استبعدت أي دور للسلطة الفلسطينية منذ بداية المفاوضات، وبالتالي أرادت فرض معادلة الأمر الواقع كبديل لاتفاق أوسلو الذي بموجبه تشكلت السلطة الفلسطينية في الاتفاق المعروف بــ "غزة واريحا أولاً" وبالتالي باتت تتركز مطالب حماس في أمرين اثنين، الأول خروج إسرائيل الكامل من غزة، والثاني الاعتراف بسلطة حماس كما كانت قبل السابع من اكتوبر، ثم لاحقاً بدأ الحديث عن قبول حماس بتشكيل حكومة مدنية في غزة تحت مظلة الحركة، ما يعني عملياً أن حماس تفاوض على تكريس الانقسام بين الضفة وغزة من جانب، وتفاوض ثانياً على اعتراف بها يكرس مفهوم الانقسام عبر صبغة دولية يبقي غزة تحت سلطة الأمر الواقع، وهنا بالضبط تختفي قصة المفاوضات حول الرهائن، لتصبح مجرد بوابة للحوار لا أكثر، أمام معادلة تعمل على خروج السلطة الفلسطينية من مشهد غزة بالكامل، وبالتالي إذا ما وافقت إسرائيل على هذه الخطوة، فهل سيصبح اتفاق أوسلو المتعلق بقطاع غزة لاغياً أمام اتفاق إسرائيلي حمساوي من جديد، يعمل على تكريس سلطتين، وحكومتين، ويضع السلطة الفلسطينية في بقية المناطق في مأزق.
من هنا تأتي الحوارات الفلسطينية في بكين بين حماس والسلطة الفلسطينية بهدف الوصول نحو وحدة لم تتحقق طوال 17 سنة قبل الحرب، وهي حوارات تترك مزيداً من الأسئلة، عن دور حركة حماس في الذهاب نحو تكريس الفصل بين غزة والضفة، وما هي متطلبات حركة حماس للمرحلة القادمة لتحقيق الوحدة، وكيف ومتى؟.
فمسألة الاستمرار في شق الصف الفلسطيني سينعكس سلباً على الواقع المعيشي في غزة بعد الحرب، فإذا كانت الخطة الإسرائيلية تسعى نحو بقاء حماس في غزة وهي مقسمة شمال وجنوب خط نتساريم، فهذا يعني استحالة الاعمار والذي يحتاج إلى مدة زمنية قوامها 80 سنة وفق تقييم الأمم المتحدة لذلك، إضافة إلى مبالغ مالية تبدأ بــ 30 مليار دولار، فكيف سيتم ذلك كله، وهل ستبقى غزة بلا إعمار، وهل ستبقى سلطة حماس على قرابة مليوني إنسان يسكنون في الخيام جنوبي خط نتساريم، أما الشمال فيبدو أن إسرائيل لا تريد التراجع عن فصله على الأقل في المدى المنظور وما بعد.
أعتقد أن المسألة ليست في غزة في اليوم التالي للحرب ولكن القضية الفلسطينية برمتها هي المسكونة في اليوم التالي لها، وهل ستذهب حماس فعلاً نحو إيقاف الحرب في غزة، والتوجه نحو وحدة فلسطينية ومشروع سياسي فلسطيني موحد يأتي بالدولة الفلسطينية، أم ستعمل حماس على تحديد مستقبل القضية الفلسطينية برمتها في بحثها عن تحقيق مشروعية بقائها بين ثنائية والدم والشرعية.