المرأة في الفكر العامي 3
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
حينما تناولت في الحلقات السابقة مدى سطوة الوعاظ والقصاص في صناعة الحراك الغوغائي الضار غالبا من الناحية الأمنية والثقافية والاجتماعية، وما يهمني هنا صناعة وتعميم خطاب تصغير حجم المرأة سواء كان ذلك من الناحية الذهنية الجبلية أو من الناحية السلوكية فهي ناقصة عقل وناقصة دين.
وتوسع به العوام حتى أضافوا لنقصان العقل والدين إضافات خرجت من عباءة الأديان السابقة وثقافة العوام والسوقة، وكرس وجوده وأضاف له شرعية موشومة من القصاص والمذكرين من الوعاظ وخرجت الرؤية الخاطئة من دائرة مجالس الوعظ إلى حيز الرؤية الاجتماعية عامة وما كان محصور التداول أصبح مشاع الوجود، فالفكرة تطورت من حالة إلى حالة أوسع، ولعل ما أوجد مثل هذا المشاع والمنتشر هو الانفتاح على ثقافات أخرى جديدة على مجتمع الجزيرة العربية، ولا يعني هذا أن مجتمع الجزيرة العربية في الفترة الجاهلية قد أنصف المرأة أو أنه كان ينظر لها نظرة إنصاف لا وإنما أقول إن الرؤية الجاهلية للمرأة الحرة قد هذبها الإسلام المبكر كثيرا.
واستجد للخطاب العامي التماهي مع خطاب العوام الجدد الموجودين في الحواضر التي استجدت على إنسان الجزيرة العربية المحدود الخبرات الحضارية فمن كان يأتي سابقا للعراق أو الشام للميرة أو للتجارة أصبح يأتي إليها للسكن والاستقرار. وامتدت خبراته بامتداد الفتوحات شرقا وغربا مما أوجد مجتمعا جديدا تشكل بعد مغادرته الجزيرة العربية بجيل أو جيلين يحمل قيم هي مزيج من أفكار عوام الجزيرة العربية وعوام مناطق الاستقرار الحضري الزراعي ومناطق الثغور ما أريد قوله إن العرب الذين سكنوا حواضر العراق وغيره أتوا ومعهم ثقافتهم ورؤاهم ولنأخذ اللغة مثلا جاء في لسان العرب:
((والعربُ تَكْنِي عَنِ المرأَة بالعَتَبةِ، والنَّعْلِ، وَالْقَارُورَةِ، وَالْبَيْتِ، والدُّمْيةِ، والغُلِّ، والقَيْدِ...))
وعلق المحقق هنا فقال:
(( ...نقل هذه العبارة الصاغاني وزاد عليها الريحانة والقوصرة والشاة والنعجة)).
وكما هو معروف أن النخب لا تصنع اللغة وإنما يصنعها العامة والسوقة. وهذه اللغة مرآة لأفكار العوام وحياتهم وقناعاتهم وعليه فاللغة تعبر غالبا عن المتداول والمنتشر من الأفكار، فما جاء في لسان العرب من منقول كما نصص في الجملة لا يدل إلا على المهانة والدونية للمرأة.
هذا الكلام يرد مثلا في تحكم الرجل بخيار الطلاق والزواج دون المرأة، كما أن هناك الكثير من الأمثلة التي تطرح مثل هذه الأمثلة وانتشارها يدل على التصاقها بذهنية العامة، وبالتالي تبنيها كرؤية للمجتمع فالانتشار يدل على التداول والتداول يدل على التبني الدلالي المنعكس بدوره على المعرفة والثقافة وغالبا يحدث ذلك في المجتمعات الساكنة الفاقدة لحيويتها الحضارية التنويرية والتنمية المستقبلية.
وأنا أستغرب قلة البحوث والدراسات التي تتناول المرأة في التراث والأدب الشعبي خصوصا من الناحية الاجتماعية، فنحن في أمس الحاجة لمثل هذه البحوث والدراسات الجادة.
((كلام للبحث والدراسة))
يروي العلامة أبو حيان التوحيدي في كتاب البصائر والذخائر قول أحدهم:
((من المروءة مجانبة النساء لقلة وفائهن، وضعف عقولهن، وتلون أخلاقهن، وقذر أحوالهن)).