مهنة الصفاعنة

ناصر الحزيمي
ناصر الحزيمي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

حينما نقلت في المقالة الماضية كلام ابن خلدون حول الحل لمن يسعى لقيام الدولة الدينية وأنها أمر مخالف لقوانين نشأة الدول، وأشار إلى عقاب من يسعى لذلك فقال ((... ولا يشعرون بمغبّة أمرهم ومآل أحوالهم والّذي يحتاج إليه في أمر هؤلاء إمّا المداواة إن كانوا من أهل الجنون وإمّا التّنكيل بالقتل أو الضّرب إن أحدثوا هرجا وإمّا إذاعة السّخريّة منهم وعدّهم من جملة الصّفّاعين...))

فجاء الاستفسار من أحد الأصدقاء عن "الصفاعين الفاء هنا مشددة".

قد يستغرب البعض إذا قلت إن الصفاعين أو الصفاعنة مهنة كانت مزدهرة في فترات انحطاط الدولة العباسية وصاحبها يصفع على سبيل المفاكهة والتبسط في دواوين أولي النعمة والثراء بل ألحقوا ضمن مستخدمي الترفيه في الدولة العباسية وكان لهم رواتب وأرزاق في خلافة المتوكل على الله". توفي سنة247هجرية"

وميزانية سنوية جاء في كتاب الذخائر والتحف للقاضي الرشيد بن الزبير "ت القرن الخامس"
((أرزاق الصفاعنة والمضحكين والكباشين والدياكين وأصحاب كلاب الهراش والضراطين: خمس مئة ألف درهم)).

واستمرت هذه المهن إلى أوقات متأخرة إلا أننا نجد بعض الأوامر بإبطالها كما جاء في كتاب الكامل لابن الأثير في أحداث سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْقِعْدَةِ، عَزَلَ الْمُقْتَدِرُ أَبَا الْعَبَّاسِ الْخَصِيبِيَّ ضمن مساعي تصحيح أخطاء الوزير الخصيبي ((...أَسْقَطَ مِنَ الْجُنْدِ مَنْ لَا يَحْمِلُ السِّلَاحَ، وَمِنْ أَوْلَادِ الْمُرْتَزَقَةِ مَنْ هُوَ فِي الْمَهْدِ، فَإِنَّ آبَاءَهُمْ أَثْبَتُوا أَسْمَاءَهُمْ، وَمِنْ أَرْزَاقِ الْمُغَنِّينَ، وَالْمَسَاخِرَةِ، وَالنُّدَمَاءِ، وَالصَّفَاعِنَةِ، وَغَيْرِهِمْ، مِثْلَ الشَّيْخِ الْهَرِمِ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ سِلَاحٌ، فَإِنَّهُ أَسْقَطَهُمْ، وَتَوَلَّى الْأَعْمَالَ بِنَفْسِهِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَاسْتَعْمَلَ الْعُمَّالَ فِي الْوِلَايَاتِ، وَاخْتَارَ الْكُفَاةَ)).

ومع التأمل والتتبع سنلاحظ أن ممارسات الصفع على سبيل المفاكهة والمزاح أصبحت ثقافة لها فلسفتها لها من مؤيدين ومناصرين وألف فيها الكتب.

يذكر ابن النديم كتاب "الصفاعنة" يقول في ترجمة ((الكتنجي وهو في طبقة أبي العنبس وأبي العبر وقيل إنه خلف أبا العبر على الحماقة بعد موته قرأت بخط بن ناميداد أظنه مانيداد كتب الكتنجي إلى سليمان بن وهب أو إلى عبيد الله لا تشك مني فداك إخوانك كلهم الأحمق منهم مثلي والعاقل مثلك نحن في زمان رأى العقلاء قلة منفعة العقل فتركوه ورأى الجهلاء كثرة منفعة الجهل فلزموه فبطل هؤلاء لما تركوا وهؤلاء لما لزموا فما ندري مع من يعيش وله من الكتب كتاب جامع الحماقات وأصل الرقاعات كتاب الملح والمحمقين كتاب الصفاعنة كتاب المخرقة)).

وقد تحدث عن الصفاعنة أبو حيان التوحيدي ونقل الكثير من آرائهم وأقوالهم في كتاب البصائر والذخائر يقول التوحيدي
((قال صفعان: نحن معاشر الصفاعنة خلقنا حلماء، فإذا خرق علينا الجاهل لقيناه بالتغافل)).

ويقول أبو حيان التوحيدي ((سمعت ابن سيار القاضي يقول: الصفع على الريق أصلح من شربة سويق)).

ويقول ((قيل لرجل: ما فائدة الصفع؟ قال: هو أول منزلة من التواضع، وهو يحسن الخلق، ويحلي المرار، ويذهب بالصفار، ويحلل الخمار، ويؤمن البدن من الأقشعرار)).

يقول التوحيدي ((... قال صفعان: من لم يعط على الصفع دراهم، فليتخذ لقفاه مراهم)).

وقال آخر: الصفع تعلة ولكنه مذلة.

ويقال: الصفعان محبوب، والقواد مسبوب.

ويقال: الصفعان آمن نوائب الزمان.

ولا ننسى أن الصفع قد ورد كثيرا في الشعر العربي في المرحلة العباسية الثانية وما تلاها.

وكما هو معروف أن الصفع استعمل على سبيل العقاب والردع والتعزير والتأديب، ولذلك أمثلة كثيرة في التراث، وهذا غير ما نتناوله هنا.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط