2024.. في حساب الحصاد

إميل أمين
إميل أمين
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

أيام قليلة وينصرم العام الحالي 2024، والجميع يتساءل كيف سيكون 2025؟

الجواب البسيط هو أن المستقبل ليس إلا الحاضر، وهو يتكون في الرّحِم، وقديمًا قال إيليّا بريغوجين، الفيزيائي والفيلسوف البلجيكي الجنسية الروسي الأصل، إن أفضل طريق للتنبؤ بالمستقبل هو صناعته.

2024، ما كُتِب قد كُتِب، والآن تتطلع الأنظار في ساعات فاصلة بين عامٍ تغرب شمسه وآخر يشرق فجره، والجميع يحدوهم الأمل في عالم أفضل، حتى ولو كانت الوقائع لا تشي بذلك، ما يدفعنا للاستعانة بما قاله المثقف العضوي الإيطالي الكبير أنطونيو غرامشي ذات مرة من أنه في مواجهة تشاؤم العقل يبقى تفاؤل الإرادة.

ربما يصعب علينا مراجعة أوراق شجرة 2024 ورقةً ورقةً، غير أنه يمكننا بحال من الأحوال التوقّف أمام بعض من أهم منحنياته الممتدة بفاعلية في العام الجديد.

لعل البداية من الشرق الأوسط، والذي شهد عامًا مؤلمًا استمرت فيه الحرب في غزة، مع سقوط الآلاف من القتلى وأضعافهم من الجرحى، وها هو العام يفرّ من بين الأيادي من دون التوصّل إلى صفقة لوقف إطلاق النار والإفراج عن الأسرى لدى حماس، وإنهاء معاناة الغزاويّين.

الجرح العربي النازف امتدّ إلى لبنان، والذي كان عليه أن يدفع أكلافًا غالية لا ناقة له فيها ولا جمل من جرّاء ما سُمِّيَ بمحور المقاومة العبثية التي أضرّت بأكثر مما أفادت.

حمل 2024 مفاجأةً من العيار الثقيل، تمثّلت في سقوط نظام الأسد، وبات مستقبل سوريا في مهبّ الريح، لا سيّما في ظل الاختبار الكبير والمفتوح للقائمين على المشهد هناك، وما إذا كانوا على قدر المسؤولية كما يتبدّى من تصريحاتهم الأولية، أم أن الأمر لن يتجاوز مشاهد "التقيّة" التقليدية.

يتساءل الكثيرون في قلق: هل ما جرى في سوريا قابل للتكرار في مواقع ومواضع أخرى في الشرق الأوسط؟ أو بمعنى أدقّ هل الربيع العربي المغشوش الذي ضرب الشرق الأوسط في أوائل العقد الماضي، سيكرر نفسه من جديد؟

المؤكد أن الشعوب قد تعلمت الدرس وأن هناك فوارق واسعة بين دول المنطقة، فما جرى في سوريا كان نتاجًا لتفكّك مفاصل الدولة منذ وقت طويل، وبخاصة في ظل بنائها على الفكر المناطقي تارة، والعرقي والعقدي تارة أخرى، إضافة وهو الأهم لطريقة الحكم، ما جعل الكثيرين يؤمنون قولاً وفعلاً بأن "الطغاة يجلبون الغزاة".

ترك ما أطلِقَ عليه "طوفان الأقصى"، في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بصماته الأليمة على 2024، وغالب الظن أنه سيفعل ذلك في العام الجديد، مع الأمل أن تنتهي تلك التبعات في أسرع وقت، حتّى تتفرغ شعوب المنطقة للبناء والنماء، لا للنار والدمار.

من بين أهم أحداث 2024، استمرار الحرب الروسية – الأوكرانية، تلك التي تُعَدّ أكبر حرب تقليدية في العالم وليس أوروبا فقط، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ما هو مستقبل تلك الحرب الأكثر من عبثيّة، والتي دفع فيها الشعبان الروسي والأوكراني ثمنًا باهظًا: الأول من وضعه الاقتصادي ورفاهة عيشه، والثاني من أمنه وأمانه؟

الحقيقة المؤكَّدة هي أن المستقبل هناك بات مرتهنًا بالإدارة الأميركية الجديدة، إدارة الرئيس دونالد ترامب، والذي لم يكفّ عن القول بأن إيقاف هذه الحرب العبثية سيكون مهمته الأولى.

والشاهد أن هناك أنباء تتسرّب عن واشنطن في الأيام الأخيرة تقول بأن ترتيبات سريعة تجري خلف الكواليس لترتيب لقاء بين ترامب وبوتين، في سياق وقف نزيف الدماء والبحث في سبل التهدئة وإنهاء الأزمة الأوكرانية التي طال أمدها.

على أن حديث التهدئة بين روسيا وأوكرانيا يكاد يواجه بحالة الثنائيّة الأميركية التقليدية، حيث هناك من ينفخ في النار المشتعلة في جنبات جورجيا، في محاولة لاستنساخ ما جرى العام 2008، في زمن الثورات الملوّنة، ما يستدعي التساؤل هل سيختلف المشهد أيضًا في جورجيا بعد مجيء ترامب، سيّما في ظلّ الرغبة في التهدئة والتوجّه لإطفاء الحرائق لا تأجيجها؟

من بين أهم الأحداث التي أفرزها العام الذي ينقضي الهوينى، الفوز الكبير في الداخل الأميركي للحزب الجمهوري بثلاثية تاريخية، البيت الأبيض، ومجلس النواب، ومجلس الشيوخ.

نجح الأميركيون ولو مؤقتًا في القفز فوق تهديدات الاحتراب الأهلي والصراع الإيديولوجي الدموي، وعاد ترامب رئيسًا مرة أخرى إلى البيت الأبيض، الأمر الذي يفتح أبواب التساؤل عن مستقبل أميركا في عهد ترامب الثاني وهل سيكون مشابها لإدارته الأولى أم لا؟

هنا يبدو واضحًا للمحلِّل المحقق والمدقق في الشأن الأميركي، أن عناصر إدارة ترامب الجديدة والتي تبدو مثيرة للشغب الفكري، إنما هي نتاج عقلي ونقلي لعمل "مؤسسة التراث" أو هيرتاج فاونديشن، تلك التي بلورت رؤية جديدة للولايات المتحدة عبر ما يعرف بمشروع 2025، والذي لو قُدِّرَ له أن يجد طريقًا للتنفيذ على الأرض، فسيكون الوضع في الداخل الأميركي مختلفًا كثير الاختلاف، حيث سيتم تعديل دفّة القيادة للبلاد بشكل جذري من يسار ديمقراطي منحرف ومنجرف، إلى يمين وسط عقلاني بمسحة ودمائية بنسبة أو بأخرى.

تبدو التحديات أمام الرئيس ترامب واسعةً داخليًّا وخارجيًّا، وغالب الظن سيكون خطاب التنصيب فرصة جيدة لفهم أبعاد ما يدور في ذهن الرئيس غير المتوقع، وهل سيمضي من جديد في طريق اندفاعاته الفكرية منفردًا، أم أن قيودًا وحدودًا جديدة ستقف في طريقه داخليًّا وخارجيًّا.

لا يوفر المرء من جردة العام الآفل سريعًا التوقّف عند أوروبا قارة التنوير الذي كان، والشاهد أنها تكاد تكون في حالة غير جيدة، لا سيما في ظل تصاعد المدّ اليميني الشعبوي، والقلاقل السياسية الداخلية التي تفرز حكومات غير قادرة على مسايرة التطورات الأممية.

يجهد الأوربيون أذهانهم، وعلى رأسهم "كايا كالاس"، منسقة الشؤون الأوروبية الجديدة، في محاولة بلورة شكل للعلاقة الجديدة بين ترامب وبين الأوروبيين، سيّما أن الرجل سيد البيت الأبيض لا يزال يفكر بعقليّة صانع الصفقات، ولا ينفك يطالب الأوروبيين بالمزيد من الإنفاق على الناتو، وإلا فإنه سيترك بوتين يتصرف كيفما يشاء، وهو حديث حتى لو كان مجازيًّا، يظل مرعبًا لعموم الأوروبيين نخبةً وعوامّ.

هل يمكن أن ننسى الصين من حساب العام المقترب من الماضويّة سريعًا؟

غالب الظن أن الصين سيكون لها في العام الجديد شأن كبير ومثير، وربما يحدث ما يخشاه الجميع من صدام مسلح مع أميركا من جرّاء بحر الصين أو تايوان.

تنظر الاستراتيجية الأميريكية الكبرى التي تتجاوز الديمقراطيين والجمهوريين وكافّة التصنيفات الحزبيّة، إلى الصين بوصفها التهديد الحقيقي القائم والقادم، وعلى الرغم من ذلك فقد وجّه ترامب الدعوة للرئيس الصيني شي جين بينغ لحضور حفل التنصيب.

لا يتوقع أحدٌ حضور بينغ وتلبيته الدعوة، إلا إذا اعتبرها رجل الصين القوي مبادرة سلام تصنع عالمًا مغايرًا ضمن السياقات الجيوسياسية المتغيرة فوق خارطة الشطرنج الإدراية الكونية.

يحتاج الحديث عن حصاد 2024 التوقف طويلاً أمام عالم الذكاء الاصطناعي القادم بقوة، والذي ستتجلّى بعضٌ من معالمه في 2025، ومصير البشرية المعقود بناصية مخترعاته، وربما يحتاج الأمر للحديث عن إيكولوجيّة كوكب الأرض بعد إخفاقات باكو.

في كل الأحوال، نأمل أن يكون 2025 عام سلام وأمان لإنسانية واعية ناهضة من ضيق الإيديولوجيا إلى رحابة الإبستمولوجيا.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط