إسرائيل.. في بيت العزلة
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
صعود التيارات المتشددة على المستوى السياسي أو الديني هو أبرز العوامل التي تدفع ثمنها البنية المجتمعية، والتي تبدأ بالانقسام الداخلي وتنتهي ضمن مسارات العزلة، لأنه ليس بمقدور أحد أن يفرض قوانينه الخاصة على العالم، لكنه يستطيع أن ينعزل بها، ويتجه نحو غيبوبة سياسية مكلفة. فالتداخلات الثقافية والبنيوية المعاصرة تتجاوز حدود الدول والسياسيات ومصالح الأحزاب والبرامج الانتخابية، نحو العوامل المؤثرة التي استمدها انسان العصر من العوالم المحيطة نتيجة التجاور المعرفي، في الوقت الذي يصبح فيه التنافر المعرفي حالة سُميّة مميتة، ترتكز على مفهوم تبريري يقود المجتمع على شاكلة النار التي تتآكل وتنطفئ، ما لم تجد من يعمل دور حمّالة الحطب.
الحالة الإسرائيلية اليوم ليست استثناءً وهي غارقة في عمق الأزمة "السياسية البنيوية" التي سوف تتكدس وتتصاعد تباعاً، فما يصاغ في عالم السياسة نظرياً لا يتحول إلى حقائق مطلقة، من هنا تأتي الأيديولوجيا كوسيلة منقذة، غير أنها لا تخدم في موازاة أمام العجز عن تحقيق معادلات سياسية يراد تطبيقها في بيئة معاصرة، معادلات لا تتوافق والرؤية المتطرفة، فالشيء ونقيضه يفعلان ما لا يأتي من خارج الأسوار، ما يعني أن إسرائيل لن تنجو على المستوى الداخلي في ما كانت تفعله من تصدير الأزمات التي بالأساس هي وليدة فكرة مشوهة حاولت من خلالها عملية إحلال شامل على الكل في الشارع الإسرائيلي، بحيث تصبح فيه الحالة المَرضيّة هي الصحيحة في المنظور السلطوي نحو زيف من الرؤى البصرية التي تستدل على الواقع بغير ما هو عليه. ففي معادلة السباق هذه، تدخل لعبة استقطاب الجمهور في صلب المعادلة، وهنا تبرز حساسية اللعبة من خلال اصطياد نوع الجمهور الذي يراد استدراجه نحو اليمين، وهي في الحالة الإسرائيلية تميل إلى استثناء اليسار وإزاحة الوسط نحو اليمين، من خلال استخدام الخطاب الأمني، الذي بقي يتميز به حزب الليكود، مما يخلق تماهياً تدريجياً نحو خطاب الليكود ومواقفه السياسية، وأبرزها بالتأكيد مسألة الحل السياسي والدولة الفلسطينية، وبالتالي إن مادة اليمين الأساسية كانت ولا تزال في سردية البحث عن الذرائع التي يبرر من خلالها مسألة الخطر الأمني، وربط ذلك أمام الشارع الإسرائيلي بعدم تقديم استحقاقات للفلسطينيين.
لكن ما بعد غزة، وأمام سير الخسائر السياسية على المستوى الدولي والتي أقر بها نتنياهو مؤخراً تصبح فكرة القبول بالعزلة مثار جدل في الساحة الإسرائيلية، فقد نسي نتنياهو ما قاله في الأسابيع الماضية أنه يحمل رسالة إلهية، ليبدأ الحديث عن إسبارطة، المدينة الأسطورية التي أحاطت نفسها بالعزلة وامتلكت القوة، ليجد أن إسرائيل يمكن أن تكون إسبارطة وأثينا معاً، وأن إسرائيل تستطيع الانعزال وبناء قوتها بمفردها (في السنوات القادمة سنضطر الى مواجهة محاولات العزل هذه ما كان يعمل حتى الآن لن يعمل من الآن فصاعداً) وهو بالطبع استشهاد في غير موضعه لكنه يريد أن يقنع الشارع الإسرائيلي أن العزلة خيار جيد، بمعنى أن العالم في كفة، وإسرائيل في الكفة الثانية.
لكن لهذه الفكرة دلالة خطرة على الصعيد الفلسطيني، لأنه في مضمونها تعني الاستمرارية لسنوات في بيت العزلة، وبالتالي ما يدور في داخل بيت العزلة لن يكون وفق ما يريده العالم، فهل هي دعوة مبطنة نحو إحداث تغييرات مهمة في البيت الفلسطيني الذي هو أساس الأزمة لدى اليمين الإسرائيلي الذي يواجه اعترافاً عالمياً واسعاً بالدولة الفلسطينية.
ازدياد كتلة التطرف في إسرائيل ليست من عوامل القوة بقدر ما هي الضعف بذاته، والصورة باتت في المشهد الدولي أن ثمة حكومة تفكر وفق طريقة خاصة بها بينما العالم كله يفكر بعقل آخر، فالحكومة اليمينة في إسرائيل تريد إعادة تشكيل الوعي العالمي وفق رؤيتها هي فقط، وهذا إفراط في الخيال لا يتوفر في ميدان الواقع.
في موازاة ذلك، ما تقوم الدبلوماسية العربية أنها نجحت في تفكيك نظرية الهواجس الأمنية التي تغنى بها نتنياهو وبالتالي أوصلت حزب الليكود والشريحة الحاكمة في إسرائيل إلى نتيجة مفادها أن فكرة الهواجس الأمنية سقطت في عالم الواقع السياسي الحالي، وبالتالي ما يأمله نتنياهو اليوم وغداً هو البحث عن طرف يمنحه الذرائع التي يأمل بالحصول عليها، لأن الذرائع وحدها تخرج هذه الحكومة من بيت العزلة، بينما النضال السلمي كفيل بتغيير المعادلة.