اليسار واليمين في إسرائيل
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
عندما أقر الكنيست الإسرائيلي في عام 2023 مشروع قانون تقدمت به حكومة نتنياهو بهدف تقييد صلاحيات المحكمة العليا، اشتعلت التظاهرات واحتجاجات المعارضة ضد مشروع القانون. كان الغرض من القانون المقترح منع المحاكم الإسرائيلية، بما فيها المحكمة العليا، من تطبيق المبدأ الذي يطلق عليه المشرع الإسرائيلي «مبدأ المعقولية» على القرارات التي يتخذها المسؤولون المنتخبون، وهو ما يعني تقليص صلاحيات المحكمة العليا والحد من قدرتها على إلغاء القرارات التي تتخذها الحكومة اليمينية المتطرفة. اعتبر نتنياهو أن إقرار الكنيست هو بمثابة بند رئيسي لا محيص عنه في إقرار خطة التعديلات القضائية التي أثارت غضبًا عارمًا في الشارع الإسرائيلي.
بيد أن الظاهرة التي أثارت المفكرين، سواء من اليهود أو غيرهم، تكمن في أن الاختلاف الذي يفصل داخل المجتمع الإسرائيلي بين العلمانيين المدافعين عن الديمقراطية والحرية- وأغلبيتهم من اليسار على اختلاف اتجاهاته- واليمينيين المتطرفين الذين يقبضون بإحكام على السلطة ومعهم من يساندهم من الشعب الإسرائيلي ليس في الواقع إلا اختلافًا خادعًا. ويستند المحللون في تبرير ذلك إلى أن الشعب الإسرائيلي تبنى عام 2018 قانونًا يُعرّف دولة إسرائيل بأنها «دولة قومية للشعب اليهودي»، ويكرس التفوق العرقي له، كما يلغي أي ادعاء أو تمسك بالديمقراطية، فلم تبرز أي حركة يهودية إسرائيلية قوية تساند تحركات الفلسطينيين الإسرائيليين، ومعهم الدروز داخل إسرائيل. يضاف إلى ذلك أن العلمانيين والتقدميين حينما فرضت الحكومة الإسرائيلية حظرًا منهجيًا مشددًا على المواطنين الفلسطينيين الإسرائيليين بالتظاهر منذ هجوم 7 أكتوبر 2023 لم يحتجوا على الحظر، ولاذوا كلهم بالصمت، بينما خرجوا هم ليمارسوا حقهم في الاحتجاج والتظاهر عندما طالبوا الحكومة الإسرائيلية بتجنيد اليهود المتشددين المعفين من أداء الخدمة العسكرية أسوة ببقية الشعب الإسرائيلي واحترامًا لمبدأ المساواة الذي يستنكرونه- العلمانيون والتقدميون- على المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل. وتبدو ازدواجية موقفهم جلية حينما نشاهدهم وهم يتظاهرون سخطًا واستنكارًا ضد أي قرار مثير للجدل والاستهجان يتخذه نتنياهو في السياسة الداخلية، بينما يلتزمون الصمت المطبق حيال جرائم القتل الجماعي والإبادة المرتكبة في غزة؟ هذه التناقضات الصارخة في صفوف العلمانيين الديمقراطيين الإسرائيليين دعت عددًا كبيرًا من المفكرين اليهود أنفسهم إلى الجزم بأن الانقسام المزعوم بين يمينيين قوميين متطرفين وديمقراطيين علمانيين يدافعون عن قيم الليبرالية والمساواة ليس في الواقع انقسامًا حقيقيًا ذا شأن يذكر.
وتفسر هذه الظاهرة أستاذة علم الاجتماع السياسي نيتزان بيرليمان في باريس بقولها: «إننا لو أردنا أن نفهم هذا الانقسام الذي يعصف بالمجتمع اليهودي فعلينا أن نعود إلى السنوات الأولى للدولة تحت قيادة دافيد بن غوريون الذي كان ممثلًا للتيار اليساري الصهيوني، ولا اعتبار لديه للدين اليهودي. كان بن غوريون ينعت أنصار اليمين الديني المتشدد بأنهم ذوو عقول متحجرة مغلقة على نفسها، وأنهم سيظلون أبد الدهر منغلقين على أنفسهم في قواعدهم، وعاجزين عن الاندماج في المجتمعات الأوروبية. ونظرًا لأنه كان يدرك تمامًا نفوذهم ووزنهم الرمزي والديموغرافي في الدولة المستقبلية، توصل معهم عام 1947 إلى تسوية تمنح ممثليهم السيطرة على مسائل الزواج والطلاق والتحوّلات الدينية واحترام السبت ومجالات أساسية أخرى، مما ضمن لهم مكانة نافذة داخل الجهاز الحكومي ظلت قائمة حتى يومنا هذا».
لهذا أسس بن غوريون عقيدة جديدة تسمى «الدولتية Etatisme» والمقصود بها توسيع نفوذ الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية بصورة مطلقة بهدف الإعلاء من سلطة الدولة وتقديم مصلحتها على مصالح الجماعات والمؤسسات غير الحكومية. فبمقتضاها يجب أن يكون الولاء للدولة وللقيم الوطنية مقدمًا على كل شيء، وأن يلتزم الفرد بذلك دون تحفظ من أجل الوحدة والحفاظ على الهوية، وهذا ما استلزم في رؤية بن غوريون استحضار رموز التقليد اليهودي ورواياته، بهدف تعزيز الروابط التاريخية والمعاصرة بين اليهودية والشعب اليهودي والدولة، ولم يكن هناك بد من استخدام الديانة لإضفاء قداسة على الهوية اليهودية، ولما كان من غير المتصور أن يتخلى العلمانيون عن هويتهم اليهودية باسم العلمانية أعادوا صياغة العلمانية بالتأكيد على مبدأ الولاء الأعمى للدولة.
وبالنسبة لليمينيين المتطرفين فقد دأبوا على الطعن في مؤسسات الدولة، وهو نهج قديم لهم لكنه صار أكثر وضوحًا منذ عودة السيد نتنياهو إلى السلطة عام 2009. فهم ينتقدون أسلوب أداء هذه المؤسسات وتركيبتها، ويدعون خضوعها الأيديولوجي لليسار بهدف التشكيك في ولائها، ويطالبون بإعادة تركيز المشروع الوطني الصهيوني على الهوية الأصولية اليهودية.
*نقلا عن "المصري اليوم"