نظرية سياسية لعالم متعدد المسارات

إميل أمين
إميل أمين
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

وسط حالة عدم اليقين التي تعيشها البشريّة في حاضرات أيّامنا، يبدو وكأنّ هناك حاجةً لنظريّة سياسيّة جديدة، قادرة على أن تقود عالمًا متعدّد المسارات وليس ثنائيَّ القطبيّة، كما جرت العادة طوال نحو ألفَيْ عام تقريبًا من الإمبراطوريّات الكبرى.
عرف القرن العشرون رؤى ونظريّات مختلفة، بدأتْ مع النبوءة أو الإيديولوجيّة الماركسيّة عن "اليوتوبيا الموعودة"، ثم طفتْ على السطح فكرة "الرايخ الثالث" الذي سيعيش لألف عام لصاحبها أدولف هتلر، ومن بعدُ تحدّث أشبنجلر عن "نهاية الغرب"، ووصل بنا الحال إلى "نهاية التاريخ" و"الإنسان الأعلى" لفوكاياما، قبل أن يرسم هنتنجتون، ملامح معالم "صدام الحضارات".

اليوم ومع الاقتراب من أواخر العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، تبدو الإنسانيّة في مرحلة "عودة إلى التاريخ" وليس نهايته، بمعنى البحث عن رؤية أو نظريّة، ولا نودّ القول نبوءة سياسيّة، فالنبؤات عمل السماء لا الأرض، من أجل استنهاض قوى البشريّة المعذَّبة، القلقة نهارًا والمؤرَّقة ليلًا.

عند عتبات بدايات جديدة لتاريخٍ لا نعرف معالمه، لم تَعُدْ الديمقراطيّة الليبراليّة على سبيل المثال، النموذج الوحيد المرشَّح للسيادة أمميًّا، لا سيّما في ظلّ صعود قوى آسيويّة مثل الصين وروسيا، وحتّى داخل الحواضن الحضاريّة الغربيّة عينها، يبقى الانقسامُ سيّدَ المشهد، إن لم نقل التنافس المؤدلَج.

يمكننا وعن حقٍّ توصيف الوقت الراهن بأنّه "زمن الفوضى الانتقاليّة" ما بين غربِ يضعف لكنه لم يمُتْ، وشرقٍ يصحو لكنّه لا يزال غير قادر على تقديم نموذج قيادة أمميّ.

في ثلاثينيات القرن العشرين، قدّم المفكّر اليساريّ الإيطاليّ الشهير، أنطونيو غرامشي (1891-1937) رؤيته عن مسار التاريخ المتغيّر والمتقلّب بين مرحلتَيْن زمنيّتَيْن، الأولى حين تبدو النهاياتُ واضحةً، والثانية حين يتعثّر الوصول إلى البدايات الجديدة.

في هذا السياق قدَّمَ غرامشي فكرة أسماها "عصر الوحوش"، والتي تعني وقت الاضطرابات العالية، حيث المحاولات تجري على قدمٍ وساقٍ للوصول إلى منظورٍ سياسيّ جديد للحكم، بين قديم يتوارى، لكنّه لم يختفِ، وجديد يجاهد لكي يُولَد، ويعاني صعوبة بالغة.

يبدو زمننا الحاضر، وكأنّه تطبيقٌ معاصر لهذا التوقيت، سواء كان ذلك على صعيد النظريّة السياسيّة، أو فيما يختصّ بحالة السيولة الجيوستراتيجيّة.

عطفًا على ذلك، تبدو في الأفق إشكاليّةٌ أخرى، تلك التي تتعلّق بالقامات الفكريّة الفلسفيّة من جهة، والقادرة على توليد أفكار ورؤى تقود دفّة البشريّة.

ومن جهةٍ ثانية، تبدو هناك أزمةٌ في نشوء وارتقاء زعامات سياسيّة أمميّة، تقدّم للعالم مثالًا وقدوة، وكأنّنا هنا نستمع إلى رجع صدى لا يتلكّأ ولا يتأخّر للمفكّر العروبيّ الكبير عبد الرحمن الكواكبي، حين صاح أوائل القرن العشرين وقبل وفاته بنحو عامين قائلا: "ما بال الزمان يضنّ علينا برجالٍ ينهبون الناس ويرفعون الالتباس، يفكّرون بعزمٍ ويعملون بحزم، ولا يفكرون إلّا حين ينالون ما يقصدون".

ولعلّه من نافلة القول إنّ الحاجة إلى نظرية سياسية معاصرة، ربّما يقف وراءها حالة التضادّ الحادثة بين الشرق والغرب، بمعنى أنّه إن كان قلب العالم قد غادر الغرب بعد أن ظلّ هناك قرابة خمسة قرون، والعهدة على الجغرافيّ البريطانيّ الكبير هالفي ماكندر، فإنّ الشرق الآسيوي، وعلى الرغم من صحوته الاقتصاديّة، ومعدّلات التنمية المتميّزة للغاية التي استطاع تحقيقها، لم يقدّم للعالم رؤيةً سياسيّة واحدة قويّة متماسكة، يمكن للعالم أن يلتئم من حولها، حتّى وإن كانت هناك محاولات جادّة وجدّيّة.

من قبيل تلك المحاولات، تجمع دول البريكس، ثم البريكس بلس، ناهيك عن مشروع الصين القطبيّ الكبير، المعروف ب"الحزام والطريق"، والذي تتوجّس منه الولايات المتّحدة الأميركيّة بصورةٍ كبيرة خوفًا من أن يختصم الكثير من نفوذها القطبيّ، وهيمنتها على المشهد الأمميّ طوال قرابة ثمانية عقود، أي منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية وحتى الساعة.

والشاهد أنّه على الرغم من وجود مؤشّرات تجعل فكرة "أفول الغرب" مغريةً للتفكير، مثل الأزمات الاقتصاديّة المتعدّدة، وتراجع الثقة في المؤسّسات، عطفًا على صعود الشعبويّة، وانفلاش الصراع الثقافيّ الداخليّ، إلّا أنّ الغرب لا يزال في أجزاء ظاهرة منه قادرًا على مجاوبة سرّ الرجاء التكنولوجيّ، ومحاججة عالم الذكاءات الاصطناعيّة، وتقديم أحدث نظريّات الطبّ، والصعود من جديدٍ إلى الفضاء.

لكن وعلى الرغم من ذلك، تبدو إشكاليّته الحقيقيّة متمحورة في ما بعد العلمانيّة، والخواء الروحيّ الذي أصابه، والخوف من الإغراق في التقانة، ليضحي الإنسانُ عبدًا للروبوت، بعدما سحقتْ النظريّةُ الرأسماليّة كرامتَه، وبصورةٍ لا تقلّ عمّا فعلتْه الشيوعيّة في النفس الإنسانيّة طوال سبعة عقود.

هل هناك نظريّة سياسيّة غائبة حان موعد ولادتها؟

باختصارٍ غير مُخِلّ، يمكننا القول إنّه لم تَعُدْ هناك نبوءة سياسيّة واحدة، أو نظريّة موحّدة، يمكنها أن تفسّر كل شيء دفعةً واحدة، لكنّ هناك نمطًا واضحًا ونتيجةً شبه مؤكَّدة، وهي أنّه كلّما أوغل العالمُ في مرحلة غموض، يبدأ البحث عن قصّة كبرى تشرح المستقبل، وراوٍ يمسك بخيوط الرواية، غير أنّ هذا أمرٌ يبدو عسيرًا جدًّا في زمن الثورة التكنولوجيّة، حيث الذكاءات الاصطناعيّة التوليديّة التي غيّرت وستغيّر المفاهيم الجذريّة من العمل إلى السلطة، وفي أوقاتٍ باتت السيطرة خارج الأيدي العسكريّة وفي يد المعلوماتيّة.

في هذا السياق، ليس بالضرورة أن يخرج علينا أحدهم من مشارق الأرض، أو آخر من مغاربها، بنظريّةٍ واحدة شاملة مثل ماركس أو فوكاياما، فالعالم القائم والقادم قريبٌ جدًّا، مختلف جذريًّا عمّا عرفته البشريّة خلال بضعة آلاف من السنين.

لقد تجاوزنا العولمة، أو بمعنى أدقّ، تبدو الخليقة في مرحلة مراجعة عميقة لمفاهيم الكوكبيّة، تلك التي خَيَّمت على الأفق الدوليّ خلال العقود الثلاثة الماضية.

من هنا، يبدو أنّه ما من نظريّة سياسيّة قادرة على لَمّ شمل عالمٍ متباين المسارات، في ظلّ أزماتٍ بنيويّة مثل تغيّر المناخ، وعدم المساواة، وصعود الهويّات المحلّيّة، فيما الطامّة الكبرى تتمثّل في تصاعد النزاعات القوميّة، ما يذكّر في كثير من الأوقات بتجارب خطيرة، لعبتْ فيها الذاتُ العليا لأممٍ وشعوب بعينها دورًا في الهدم الأمميّ، ولم تقدّم شيئًا في عالم البناء الكونيّ.

يمكننا القطع بأنّ البحثَ عن النظريّة السياسيّة القادمة أمرٌ لا بدَّ وأن يأخذ في عين الاعتبار القوى التي تشكّل المستقبل وأهمّها قضايا مثيرة مثل إنسان السايبورغ، وعلاقة البشر بالآلات، ناهيك عن منعطفات الاقتصاد العالميّ المعرَّض لتدهورٍ كبير في بقيّة العقد الحاليّ، ومن غير أن نوفّر الصراعات الجيوسياسيّة التي تكشف عنها الأحداث وفي مقدّمها الجغرافيا السياسيّة، وإعادة النظر إلى العلاقة بين اليابس والمياه، حيث باتت الممرّات المائيّة الدوليّة تشكّل قصّة الغد.

هل من خلاصةٍ؟

العالم لا ينتظر غودو المتمثّل في ماركس جديد أو فوكاياما آخر، بل يحتاج إلى طريقة تفكيرٍ جديدة ، أقلّ يقينًا وأكثر قدرةً على التكَيُّف مع نوازل العصر، يحتاج رؤيةً أكثر إنسانيّة، تتمحور حول الإنسان، باعتباره القضيّة والحلّ في ذات الوقت، رؤية تتيقّظ جيّدًا لكلّ الدعاوى المنحولة التي تحاول تهميش البشر لحساب الآلات، وإعادته إلى موضعه الأصليّ كخليفةٍ لله على الأرض.

هل تتنبّه الإنسانيّة لمزالق الهاوية السائرة في دروبها في حاضرات أيّامنا؟

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط