هل بدأ نجم النجف الابداعي يأفل؟

حيدر نزار السيد سلمان
حيدر نزار السيد سلمان
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

ربما من أهم مايتفاخر به النجفي ان مدينته كانت ولقرون من الزمن منبعاً للافكار والإبداع الثقافي والأدبي والفني ودائما مايردد النجفيون وحتى غيرهم وصف مدينتهم إنها مدينة العلم والعلماء في إشارة إلى دورها المركزي الثقافي بمختلف اصنافها وكون المدينة تشكل حاضنة للدراسة والإبداع وسيادة السمة الثقافية العلمية على الفضاء النجفي العام.
عبرّ قرون زمنية رفدت ثقافة المدينة بخصائصها المميزة الثقافة العراقية والعربية والإسلامية بكم هائل من النتاجات الفكرية الأدبية وبقائمة من المبدعين على اختلاف تخصصاتهم وهذا يشمل حتى العلوم كالطب والهندسة والتجارة والصناعة والسياسة فقد برز منها أطباء ومهندسون وتجار وصناعيون وسياسيون كان لهم أثر في الحياة العامة العراقية فضلاً عن أُدبائها وشعرائها ومثقفيها، كما ان المدينة ساهمت عبر جهود مبدعيها في صياغة شكل الثقافة العراقية، ويمكن لنا اجراء استذكار سريع لعدد من المبدعين في مختلف التخصصات؛ الجواهري، الشبيبي، الشرقي، الخليلي، محمد صالح بحر العلوم صاحب القصيدة الملحمة (أين حقي)، في الأدب والشعر،حسين الرضي(سلام عادل)، حسين محمد الشبيبي (صارم)، عبد الاله النصراوي، أحمد الحبوبي، عبدالرزاق محيي الدين، في السياسة، وهذه باقة من نماذج مختارة بالإضافة إلى مبدعين في مجالات أخرى. كانت الجمعيات الثقافية في المدينة تنشط بحراك مثير للاعجاب للترويج الثقافي والفكري ونشر التحضر المجتمعي فكانت جمعيات مثل منتدى النشر والرابطة الأدبية والتحرير الثقافي والصحف والمجلات الصادرة في النجف عنواناً لمحاولات الترقي والتنوير والنقاشات الأدبية والعلمية وهي تجسد حالة الانفتاح الثقافي وما ساد من حريات بالفكر والمواقف وتنافس شريف لغرض الإبداع وكانت النخبة النجفية مدعومة من رجال أعمال واثرياء متنورين نشطة في إقامة المهرجانات الثقافية ودعوة رموز عربية وعراقية للمشاركة في إلقاء المحاضرات والنقاشات المحتدمة حول الحداثة والإنسان ومكافحة التخلف ونشر الفضيلة والوعي والبناء الإنساني المعرفي، ويمكن الاستناد إلى موسوعة الصحفي والكاتب جعفر الخليلي (هكذا عرفتهم) وماكانت تنشره الصحافة النجفية في الثلاثينيات والاربعينيات. للاطلاع على مدى قوة هذا النشاط الفكري الثقافي وما ظهر من رموز ابداعية، كما يمكن التعرف على قدرة المدينة على الابداع الفني المتنوع الاشكال والفنانين الذين كان لهم أثر كبير في الحركة الفنية العراقية.
كان التسامح والقبول بالرأي الآخر ميزة نجفية سواء لحوزتها الدينية أو المجتمع النجفي ولنا في حادثة الترجمة الملخصة لشبلي شميل لكتاب دارون عن اصل الأنواع وقبول رجال الدين بالمدينة نشره دليل على هذا التسامح، وبالمقابل فإن النجف الأكثر قبولا بالأفكار الثورية التقدمية والرافضة لكل أشكال الهيمنة السلطوية كانت مكاناً خصباً لنمو الحركات المعارضة كما يصفها حنا بطاطو، وبالفعل شكل المناخ العام بالمدينة حافزاً للإبداع والبحث عن الجديد وهذا يشمل حتى الطقوس الدينية فقد صاغت المدينة الطقوس والشعائر الحسينية بعيداً عن الغلو والتطرف ووسمتها بالعقلانية ولعل ماكتبه شعراء النجف من مراثي ومنهم عبد الحسين أبو شبع وعبد الرسول محيي الدين وعلي الرماحي من قصائد حسينية تضج برفض الواقع الفاسد والدعوة للوحدة الوطنية وحرية الفكر وتبجيل العمل والعلم نماذج على القيمة العليا التأثيرية في سياق الملحمة العاشورائية، إذ اعتمدها شعراء المراثي سبيل للنهضة ومقارعة الظلم بالصراحة أو بالتلميح و درجت على ذلك المدرسة النجفية. يُقدم السيد محمد بحر العلوم في مذكراته سردا مشرقاً عن الانشطة الاجتماعية والثقافية والسياسية النجفية ابتداءً من اربعينيات القرن العشرين وحتى سبعينياته، فهنا يمكن العثور على دور المدينة الفاعل في النشر والنشاط الأدبي والفكري وحتى الأثر السياسي وما يذكره بحر العلوم من أسماء المبدعين يثير في النفس عاصفة من البهجة والفرح مستلهمة من قوة النشاط من جانب والتفاعل الفريد بين الافندية ورجال الدين ومايسود من حريات وتسامح في تأجيج النشاط وتأطيره بالجمال، بيد ان هذه البهجة سرعان ما تتبدد عند الوقوف على الواقع الإبداعي المعاش للمدينة فلم يعد ذاك الحماس الوقاد ولم تعد تلك الجمعيات والمنتديات موجودة ولم تعد قوافل المبدعين بكل المجالات تترى، وهنا يبرز السؤال المثير للحزن والقلق؛ هل عقمت المدينة وبدأ نجمها يأفل وتوقف تيار الإبداع فيها؟ ،
لم تعد المدينة كما كانت وانخفض نشاطها الثقافي إلى درجة خطيرة ولم يعد مثقفوها وادباؤها رغم وجودهم مؤثرين بالثقافة العراقية، وحتى دورها في تنظيم وعقلنة وصياغة الشعائر تدهورت بل اخذت هي تتاثر بما يأتي من خارجها، وبينما كانت الخطابات والمراثي تتسم بروح المدينة، غلبها الطابع الريفي، والابتعاد عن جوهر القضية الحسينية ولاسيما في ادخال الموسيقى أو الكلمات والمفردات غير المهذبة، وطبقا لذلك فالمدينة تفقد قدرتها على التأثير والتنظيم. في مجال الشعر والادب والفن والصحافة والرياضة(هبط فريق النجف الكروي إلى الدرجة الثانية)، والتجارة والطب، لم نعد نسمع عن مبدعين كبار متفردين، ومايحصل ان النجف غير النجف ذات السحر الإبداعي، حتى المجتمع المدني اخذ يتلاشى مع سيطرة العشائرية والقبلية كعلاقات اجتماعية ببنى لم تك مألوفة بالمدينة.
تشي كل المؤشرات ان النجف تفقد إلى حد كبير قوتها الإبداعية ولم تعد هي المزود الوطني بالشعراء والادباء وغيرهم، وان مكانتها التأثيرية في الابداع تتلاشى لأسباب متعددة لعل أبرزها مايحصل فيها من تغييرات ديمغرافية داخلية وخارجية وماتبع ذلك من فقدان الانماط الاجتماعية القديمة المستندة إلى الروح المدنية، كما ان الاهمال الحكومي لها هو الاخر عامل مؤثر في التدهور الحاصل ولا يمكن نكران ماتتعرض له بيئة النجف القديمة العمرانية من تدمير وتخريب متعمد لدواع مختلفة وهو مايفضي إلى تحطيم روحها وطمس شخصيتها الحضارية وتفردها كمدينة علم وعلماء.

نقلاً عن المدى

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط