العراقية نوخشة ناصح
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
يكتب ابن خلدون في موسوعته الكبيرة "المقدمة" عن نفسية الجماهير "فاز المحبون للأوطان" وهم البسطاء، كما يصفهم أمير الحرية عبد الرحمن الكواكبي.
لعل أخطر ما تُبتلى به الأوطان أن تصبح الطائفية والعنصرية جزءاً من تاريخها اليومي.. قبل أيام كنت أنظر إلى وجه السيدة الكردية "نوخشة ناصح"، المرأة الوحيدة في بلاد الرافدين التي تسلمت منصب محافظ، وهي تبكي بعد حادث غرق لطفلة من أهالي كربلاء كانت في رحلة سياحية مع عائلتها إلى مصيف في محافظة حلبجة.
كنت أنظر إلى وجه السيدة "نوخشة ناصح" وأنا أقول لصديق: من الصعب في زمن التراشق الطائفي وفضائيات الكراهية أن تجد وجهاً عراقياً يحمل هذا الحس الإنساني مثل هذه السيدة. ولهذا أتمنى على العراقيين جميعاً أن يحفظوا هذا الاسم جيداً "نوخشة ناصح"، مواطنة من محافظة حلبجة التي عاشت مأساة كبرى بعد أن قُصفت بالأسلحة المحرمة وهُجّر أهلها، لكنها عادت مدينة متسامحة تستقبل ضيوفها بكل محبة، وكان آخر مشاهد المحبة هذه ، التشييع الذي أقامه أهالي حلبجة لطفلة كربلاء، فقد شاهدنا المئات من سكان المدينة يحملون الورد ويقفون على جانبي الطريق أثناء مرور موكب التشييع، في مشهد عكس حجم التفاعل الشعبي مع الحادثة.
الجميع يذرفون دمعةً واحدة، وكأنهم في مهمة وطنية، فتلمع عيونهم بالأسى والفجيعة، حتى يُخيل للناظر إليهم أنهم يودعون أحد أقاربهم، انظر إلى وجوههم تتوسطهم السيدة نوخشة ناصح، وكأنهم يكشفون لنا العراق الكبير الذي يريد له زعماء الطوائف أن يظل تحت ركام الفساد والانتهازية والطائفية المقيتة والمعارك السياسية سيئة السمعة.
لعل مشهد أهالي حلبجة وهم ينثرون الورد على السيارة التي حملت جثمان الطفلة رقية، يثبت لنا ان هذه الوجوه التي انمحت منها علامات الطائفية والمذهبية، تعيد اكتشاف جوهر هذا الشعب . ها نحن أمام مواطنين يريدون أن ينفضوا عن هذا الوطن غبار الطائفية والمحسوبية والانتهازية، ولعل أجمل ما في هذه الوجوه أن دموعهم أثبتت أننا شعب لم يتفسخ بعد، رغم سياسة التنكيل والإفساد وشراء الذمم التي مورست خلال السنوات الماضية، شعب لم يفسد رغم محاولات البعض إفساد مناخ الألفة وزرع الطائفية، وبث الفرقة بين أبنائه، وسياسة التخويف والتخوين على الهوية، أدهشتني وأفرحتني هذه الاستعادة المبهجة لأصالة ووطنية الشخصية العراقية في لحظة تصوّر البعض أن أحزاب الطوائف استطاعت أن تحرق مساحات المحبة والوطنية فيها، وهل هناك وطنية أكبر وأنضج من الموقف الذي اتخذه أهالي حلبجة ليقدموا لنا درساً وطنياً بإحساس عراقي قلّ نظيره.
السيدة نوخشة ناصح موقفها ودموعها استطاعت أن تختصر المسافة بين كردستان وبغداد وكربلاء والبصرة ، في موقفٍ سيظل يُروى للأجيال القادمة.
نقلاً عن المدى