إيران.. هبّت رياحها ولم تغتنمها
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
عندما اشتدت الفتنة وتعاظمت الخلافات، في زمن الخليفة عثمان بن عفان، تكلم والي البصرة عبد الله بن عامر بن كُريز الأموي: «رأيي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهادٍ يشغلهم عنك، وأن تجمرهم في المغازي، حتى يذلوا لك، فلا يكون همَّة أحدهم إلا نفسه، وها هو فيه مَن دَبرَة (القرحة التي تصيب الدَّابة) دابته وقَمل فروهِ» (تاريخ الطبري).
أسدى ابن عامر بهذه النَّصيحة لأنه مِن أكثر الذين قادوا الجيوش في فتوحات المشرق، وشعار تصدير الثورة رفعه صقورها، ولم ينفع اعتراض حمائمها المخلصين، بل اخرجوا مِن السياق. ليست الثورة الإيرانيّة فقط تأخذ برأي عبد الله بن عامر والي البصرة، بل الثورات العقائدية كافة، لا يكفيها داخلها الوطني، وهذا ما يفهم بتصدير الثورات، فالقيادة الإيرانية ما زالت تشد شعبها، إلى عقيدة تهيئة الجيوش الزَّاحفة، فبما ستشغلهم وكيف تبرر تخليها عنهم، وقد أعلنت أن هذا الشَّعار خالد، بل جعلته هيكلاً لتشكيل الجماعات خارج حدودها؟
صحيح أن القضية الفلسطينية كانت هي الشعار، ولكن ما التدبير في الانتصار لهذه القضية، وهي قضية حق لشعب ليست مخفية على أحد. بعد انطفاء الجماعات التي عملت إيران على وجودها، ما عادت الحرب مع أميركا، أو حرب أميركا على إيران، على القضية الفلسطينية، أو امتداد إيران عبر أجنحتها، في أكثر من عاصمة عربية، فالقضية الفلسطينية تراجعت، بل بالعكس كان هناك إجماع عليها، قبل أن ينقسم العالم الإسلامي سياسياً إلى سُنة وشيعة، فتحولت المعركة إلى السيطرة على شريان الطاقة مضيق هرمز، ثم جاءت حرب الثأر، للقادة الإيرانيين بالحديث عن اغتيال ترامب، الذي وعد بتجهيز ألف صاروخ لضرب إيران.
أما إسرائيل فحلّت الشبكات التي حولها بارتياح، والوصول إلى العمق الإيراني، بخسائر إيرانية باهظة، وضعضعت القوة التي لو حصل توافق معها مِن قبل العالم العربي والإسلامي، لكانت القضية الفلسطينية وجهاً لوجه مع إسرائيل، لكن تصدير الثورة إلى العالمين، أنهى المعادلة لصالح إسرائيل أما شعار تحرير فلسطين فليس من دولة تضحي بنفسها من أجله مقابل هيمنة النفوذ الإيراني. هنا لا نتحدث عن الشعارات إنما عن الواقع، بمعنى أن القيادة الإيرانية ظلّت تتحدث بمنطق الثورة لا بمنطق الدولة، مستنداً إلى تحالفات عقائدية وسياسية وعسكرية.
هذا الامتداد منح طهران أوراقاً تفاوضية، لكنه في الوقت نفسه جعلها تتحمل كلفة باهظة، مالية وسياسية وأمنية، خسرتها إيران في الآونة الأخيرة. لقد خسرت إيران كثيراً من رصيدها السياسي في المنطقة.اقتصادياً، فإن العقوبات الطويلة لم تُسقط النظام، لكنها استنزفت المجتمع، فالعملة فقدت كثيراً من قيمتها، والاستثمار تراجع، وازدادت هجرة الكفاءات، وأثبتت التجارب أن الدولة تستطيع التكيف مع العقوبات، لكن المجتمع يدفع الثمن الأكبر، وهو ثمن يتراكم عاماً بعد آخر حتى يتحوّل إلى أزمة ثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم، فتنمو الحركات المضادة. التاريخ لا يحكم على الدول بما امتلكته من أدوات القوة وحدها، بل بقدرتها على مراجعة خياراتها، ولا نظن أن الحرب من أجل الثأر سيفيد إيران بإعادة الاعتبار والهيبة، فهي تثأر وهم يثأرون، كذلك التشديد وعدم التساهل في الملاحة عبر «هرمز» لن يوفر لها قوة التحكم بالطاقة العالمية، فالحق والباطل في هذه الحرب شيء، والواقع شيء آخر.
فلا الحرب من أجل هرمز، الذي لم تثر حوله عجاجة قبل هذه الحرب، ولا حرب الثأر بمجدية. ما ينسب إلى البحتري (384هج): «إِذا هَبَّتْ رياحُكَ فاغتنمْها/فعُقْبى كلِّ خافقةٍ سكونُ/ وإِن دَرَّتْ نياقُكَ فاحتلبْها/ فما تدري الفَصيلُ لمن يكونُ/ ولا تغفلْ عن الإحسانِ فيها/ فما تدري السكونُ متى يكونُ» (الخوارزميّ، الأمثال الموَّلدة). لقد هبت الرياح لصالح إيران خلال عمر الثورة، لكنها لم تغتنمها بإحسان، بل أقلقت العالم بتصدير الثورة.
*كاتب عراقي
نقلاً عن "الاتحاد"