التفحيط بصحة الإنسان

مطلق المطيري
مطلق المطيري
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
دقيقتان للقراءة

حالة التردي الواضحة في القطاع الصحي، التي أخذت تزحف على حياة المواطن بكل قوتها المدمرة والمهلكة، وانبتت الأوجاع في جسد المريض " المعافى" وأهله، لا يمكن السكوت عنها، أو وضعها في سياق " الأخطاء غير المقصودة"، وليس من الصحة أن يكون المبرر دائما يحمل صفة الإهمال واللا مبالاة، حتى أصبحت الأخطاء الطبية تشبه عبث المراهقين بمركباتهم الخاصة أو المستأجرة، عندما ينزلون بها الى الشوارع بسرعة جنونية ورعونة قاتلة، ليمارسوا مايسمى " هواية التفحيط"، فالقطاع الصحي في بعض ممارسته لا يختلف عن عبث المراهقين، فما يقوم به هذا القطاع اليوم يمكن أن يسمى " التفحيط بصحة المواطن".
حالة طفلة جيزان المأساوية، لم تكن نتيجة خطأ في التشخيص، أو وضع مشرط العملية في الموضع الخطأ، أو صرف دواء العين لمعالجة التهاب الأنف، بل أقرب ما يكون الى سيناريو سينمائي يعتمد على المأساة من بدايته الى نهايته، حقن الطفلة بمرض قاتل وخبيث، ولا تستطيع كل قوة بالدنيا أن تخلص حياتها من هذا الخطأ –إلا بأمر الله- خطأ قتل حلمها بالحياة، والغى زمن المستقبل من حياتها تماما، ف 13 ربيعا عمرها الآن هو عمر شيخوخة موجوعة تنتظر نهايتها.. هل نقول لها نأسف على هذا الخطأ؟ أم نرى في ذلك تكفيرا لذنوب طفولتها البريئة والبائسة ! فالتفكير بمرض الإيدز والطفولة يصيب العقل بالارتجاج والضمير بالتصدع، مرض اخلاقي قاتل يصيب طفلة بسبب جريمة ارتكبها مستشفى طبي.. عمل غير آدمي وغير أخلاقي مارسه القطاع الصحي بجسد الطفلة المسكينة، حالة اغتصاب جماعية تعرضت لها تعيسة الحظ، فقد اجتمع عليها التقرير والانسان والآلة ليهتك بجسدها الصغير.
إن قلنا اليوم إن مستشفياتنا توزع الأمراض بدلا من علاجها، فلم يكن في هذا الكلام تجنٍ أو تحامل عليها، فالاستشهادات موجودة على الإجساد ومثبتة في المقابر، وبعد هذا كله نصف من يلجؤون للطرق الشعبية لعلاج أوجاعهم بالتخلف والرجعية وعدم الترقي الحضاري، فالناس هربت هروب الاضطرار من مجازر الصحة الى وهم الطب الشعبي لتسلم على ما تبقى من جسدها الموجوع.
الصحة ومنشآتها مصابة بمرض خطير، فيجب معالجتها قبل أن تعالج هي الناس، فهل من مداوٍ لهذا القطاع الذي بدأت أمراضه تفتك بكل جسد خالٍ من السقم والأوجاع؟ حتى لا تصبح اجسادنا مثل السيارات المستأجرة يفحط بها كل من لا يبالي بها بعد أن اطمأن الى نعومة العقاب.

*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.