الصيف «صدمة حضارية» في السعودية

خالد الفاضلي
خالد الفاضلي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

تكشف مواسم الإجازات في السعودية عن استمرار توارث غالب سكان المدن الصغرى والمتوسطة حالاً مرضية اسمها «صدمة حضارية»، عند دخولهم محيط مدن كبرى داخل وطنهم أو خارجه.

يقول علم النفس إن الترحال السياحي يندرج ضمن حالات الانتقال الخالقة لحالات صدمة حضارية تماماً كالسفر للعمل أو التعليم، لكنها تحدث غالباً للقادمين من بيئات متدنية حضارياً، فإذا كان الحديث عن مشاهدات لسعوديين في مدينة جدة تحديداً، فربما يكون في ذلك دلالة على أن معظم الديار السعودية تجد مدينة جدة ذات علو حضاري فارط.

ينشق من أعلاه وجهة هذه المقالة المتجهة نحو سؤال عن سبب وجود فروق حضارية في دولة ذات مركزية إدارية، مجاهرة بعقيدتها نحو تعميم عدالة تعليمية ومعيشية على أراضيها ومواطنيها كافة، لكن القادم من مدينة تبوك وبكل عراقتها التاريخية يكرر ما قاله ابنها الشاعر طلال حمزة قبل عشرة أعوام «ياخي جدة غير».

أتت ليالي العيد الماضية إلى شواطئ جدة بضجيج وعيون لا تنام، صادرة عن أقوام يجدون في جدة ما وجده طلال حمزة «جدة مثل العوم/ جدة مدينة حايرة/ بين السهر والنوم»، بمعنى آخر يجد جدة مدينة تختلف عن دياره، هذا الاختلاف معناه أن الجهاز الإداري في مدينته يديرها بأسلوب «البيئات الحضارية المتدنية» أو عقلية تؤمن بأنها تمتلك مفاتيح المدن وتحدد الساعة الـ12,00 ليلاً موعداً لنوم جماعي إجباري.

تدل كل حالة صدمة حضارية يتعرض لها مواطن على أنه عاش عهداً مديداً من حياته على أرض تحوز نمواً حضارياً وإنسانياً متدنياً، هذا وجه آخر للجملة التالية «أن توزيع النمو والحضاري والإنساني على الأراضي السعودية غير متعادل»، وليس بالضرورة أن تكون كلمة متعادل تعني عادلاً، أو كافياً عندما تكون المقارنة بين قرية أو مدينة، لكنه كذلك عندما نقارن مدينة بمدينة، أو فمن الأجدر تسمية «تبوك، أبها، الباحة، خميس مشيط، وغيرها» قرى كبيرة.

يوجد في الصين قرى تستوعب من الحجر والبشر أرقاماً أكبر بكثير من سكان مدينة تبوك، أبها ومدن سعودية كثيرة، لكنها تعيش تحت مواصفات قرية، لم يكتبوها في «أطلس» مدينة، ولم يضعوا على بابها جرساً يدق معلناً ساعات نوم، كما أنني ذكرت في مقالات سابقة أن الهيكل الإداري المخصص لإدارة المدن والمناطق الإدارية السعودية يقل عدداً وكفاءة عن مجلس إدارات شركات سعودية تحقق خسائر في سوق الأسهم.

يؤرقني الوصول إلى قناعة بوجود تفاوت حضاري بين مدن سعودية، وبين مواطنين سعوديين، فمدينة ينبع تمتلك مواصفات مماثلة لمدينة جدة جغرافياً وتاريخياً لكن ذلك لم يمنح ينبع حظوظ جدة، وهو نقص أصاب مدينة القنفذة المماثلة لهما بالتجربة مع التاريخ والجغرافيا، بينما مدينة جازان شاهد أكبر.

يمنحنا تتبع مسارات التدفق السياحي - في مواسم الإجازات - من مدينة إلى أخرى مؤشرات على وجود فوارق وعوامل طرد تدفع الناس إلى نزوح جماعي موقت لمجرد التحرر من قيد الوظيفة، وبالتالي فإن مدناً سعودية كثيرة مجرد حاضنات وظائف، وهو مقياس لا يضمن بتاتاً وجود حضارة قابلة للصمود، كما يشير ذلك إلى أن الجهاز الإداري في المدن الطاردة لم يسعَ مطلقاً إلى قراءة عوامل الجذب في مدينة جدة، وهي عوامل قابلة للاستنساخ عدا في حالي «مكة ويثرب».

تم تأطير مصطلح الصدمة الحضارية (Culture Shock) عام 1954 للمرة الأولى بقلم عالم الإنسانيات كالفيرو أوبيرغ بالآتي: «إحساس نفسي وجسدي بالتوتر والقلق والشعور بالضياع لمن يرحل من منطقة عاش فيها طوال عمره إلى منطقة أو دولة تتميز عنها»، وورود كلمة «دولة» في التعريف تشير إلى انطباع مخيف، فالقنفذة لا تبعد عن جدة إلا ثلاث ساعات بالسيارة. ينقص مدناً سعودية كثيرة وجود إحساس بالغيرة من مدينة جدة، فليتهم تركوها قرى كبيرة ولم يفسدوها بنمو حضاري ناقص، فالغالبية الساحقة من مدننا لا تتجاور على مقاييس التنمية، وعلى رغم مركزية صناعة القرار فإن المواصفات تختلف من مدينة إلى مدينة، والنوايا غير كافية لنقل مواصفات مدينة جدة وإسقاطها على مدينة جازان المسكونة بحظوظ تنموية، حضارية، جغرافية وإنسانية ترشحها لمنافسة جدة لمصلحة إحداث صدمة حضارية لدى زائريها.

*نقلا عن "الحياة" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.