العانية
في الماضي كان الناس يتسابقون لحضور حفلات الزواج، ويتناقلون أخبار المناسبات التي يدعى لها الشعراء، ويتسامرون على إيقاعات القصائد والطبول والعرضات المختلفة، وتبدل الحال وأصبحت الحفلات مقتصرة على فرق غنائية ناشئة تنفر المدعوين.
تجاذبت الحديث مع أحد الأصدقاء العائد للتو من رحلة علاجية عن دعوات الزواج والحفلات وذكرني بـ «العانية»، وكأنه يعيدني للزمن الجميل الذي كانت تنظم فيه عرضات شعبية أمام مقر الاحتفال من المدعوين على «الرفد» الذي أحضروه لدعم العريس ليلة زفافه، ويقابلهم أهل العريس بعرضة ترحيبية يلتحمون فيها ويواصلون العرضة إلى داخل الحفل في صورة تجسد مدى التلاحم الكبير بين كل من في تلك المناسبات.
وحفلات الزفاف في المواسم تتزامن مع بعضها البعض لدرجة أن الشخص قد يحضر في أكثر من موقع ويقدم «العانية»، وإذا صعب عليه الحضور أوفد أحد أقاربه ليمثلهم في المشاركة وتقديم واجب «رفد» العريس، بيد أن الوضع في وقتنا الحاضر تخلق فيه المبررات والحجج الواهية، بين السفر وبين الاعتذار عن المشاركة والحضور، متعللين بوجود مناسبات أخرى في منطقة أخرى.
اختلفت المسميات في مساعدة العريس يوم زفافه بين «العانية، الطرح، الرفد، وغيرها»، ويختلف الاسم من منطقة لأخرى، لكن الهدف واحد رغم اندثاره لدرجة أن الآباء يحرصون أثناء تقديم الدعوات لحضور مناسباتهم على تذييل عبارات في كروت الدعوة «الحضور تشريف وليس تكليفا» لضمان حضور الأصدقاء والأقارب.
بعض كبار السن يعتبرون أن الحياة بمجملها هي سلف ودين، وما يقدمونه من «عانية» سيعود على أبنائهم، ولتلافي عدم رفد العريس ليلة زفافه، لجأوا إلى تخصيص صناديق الأقارب لجمع المبالغ وتحديدها على المتزوج بـ(مائتي ريال) وعلى الأعزب (مائة ريال)، وتدفع للعرسان مشفوعة بورقة موضحة بها (عانية عائلة فلان)، والبعض يوعدك بـ «العانية» وما يقدمها، والبعض يأخذ الرفد ولا يقدم «العانية».
هذه التغييرات في نمط الحياة، أتت على بعض العادات والتقاليد في المدن بحكم «التمدن» والحضارة والمباني الشاهقة، واندثرت تلك العادات ومن بينها حفلات الشعراء التي كانت تحييا بمبالغ خيالية رغبة في جذب الحضور والتباهي بزفاف الأبناء، وتحولت بعض الحفلات الآن إلى صور من المجاملات أو ما يسمى بالنفاق الاجتماعي، وأصبحت الحفلات تنتهي بمجرد تقديم العشاء بينما تحيا في صالات النساء والتباهي في إحضار المطربات والزفات المختلفة.
نقلا عن صحيفة "عكاظ"