تقول بني شهر: «ماعد أحلى»!
خرج فيلم «خطاب الملك» ليحكي عن علة التلعثم في النطق التي عانى منها ملك إنكلترا جورج السادس وأبو الملكة إليزابيث الثانية، وكيف أن المعالج الأسترالي الذي فهم المشكلة وأسبابها تمكّن من تحسين الوضع، ومرافقة الملك وتدريبه على مخارج الحروف في خطاباته الرسمية، إبان الفترة العصيبة التي مرت بها بلاده أثناء الحرب العالمية الثانية والصراع مع هتلر. وعلى رغم جوائز الأوسكار الأربع التي استحقها الفيلم، غير أنه تكريم لم يمنع مخرجه من انتقاد قرار لجنة التحكيم بخفض نقاط تقويمها للفيلم، بسبب كلمتين خارجتين رددهما الملك في الحوار، وكانتا ضمن رؤية المخرج كجزء من مراحل العلاج، خصوصاً أن الإنسان في حال الغضب قد ينطق بما يصعب عليه التلفظ به في ظروفه العادية المستقرة نفسياً. وعليه فقد رفض المخرج أن يقتطع شيئاً من فيلمه، موضحاً أنه غطى الكلمات غير اللائقة بالصراخ العالي للتخفيف من حقيقة وجودها. ولقطتنا التي تهمنا هنا ليست في تلك الكلمات من عدمها، ولكن في تساؤل المخرج الاعتباري حين تعجب من حدود العنف التي تمددت كثيراً، بينما بقي استعمال اللغة النابية من المحرمات! وكأن الإجرام والتعذيب لا بأس بقبولهما في الواقع والمحاكاة تطبيقاً وتصويراً، ثم وبتناقض متواز نتحفظ على اللغة، مع أنني - والكلام للمخرج - «لا أذكر فيلماً واحداً شاهدته، وبقيت الكلمات البذيئة عالقة في ذهني، على عكس المناظر المؤذية».
حين أعلنت السعودية أمام العالم رفضها قبول عضوية مجلس الأمن بسبب ازدواجية معايير المنظمة التي ينتمي إليها، تناولت معظم الصحف الأميركية بالتحديد هذا الرفض السعودي، وكأنه تحد وازدراء للأمم المتحدة. فهل سنتذكر الآن الاعتذار السعودي ونتخلى عن مناقشة السبب، أو الأسباب التي أدت إلى القرار؟ فالصورة الكاريكاتورية - كما أراها - أن الأعضاء الخمسة الدائمين ناولوا السعودية نسخة سادسة من القناع الذي يرتدونه. فأشاحت السعودية بيدها، مكتفية بوجهها بلا قناع. ولكنه تصرف أحرج المقنعين فاحتجّوا، ذلك أن الحفلة التنكرية لا تدخلها بشخصيتك الحقيقية، وإلاّ أفسدت متعة المتنكِّرين.
يقول مارتن لوثر كينج: «لست فقط محاسباً على ما تقول، ولكن على ما لم تقل حين كان لا بد أن تقوله». وبذلك فالسعودية غير محاسبة على ما لم تقله، بل إنها أعلنت عن موقفها في التوقيت المناسب له، عندما تم تعيينها عضواً للمرة الأولى في مجلس الأمن. فجاء جوابها الذي يتوافق مع خطها الإسلامي والإنساني ومع مصالحها بوجه عام. أمّا المستغرب فهو الاستغراب الأممي! كمثل النقاد الذين تأذت مشاعرهم الرقيقة من كلمتين سمعوهما في الفيلم، وكأن قائلهما فوق الطبيعة البشرية! فأعلوا من صورة الرجل وهالته على حساب معركته الذاتية وشجاعته في التفوق على تحدياته، وها هي المنظمة الأممية تترجمها بالإهانة، لأن بلداً عربياً خرج بسابقة ولم يبد الحماسة المتوقعة لعضوية مجلسها غير الدائمة. في الوقت الذي لم يشعر المتحكمون بقراراتها على امتداد تاريخ المنظمة بالإهانة عند انتهاك قيم العدل والحق وصمتهم حيالها. ولكن طبعاً هو صمت انتقائي وانحياز انتقائي أيضاً، ولا أعتقد أن هناك من لا يعي هذه الجزئية بالذات.
ومع ذلك، فاستياء الأمم المتحدة من هذا التمرد الاستراتيجي مساساً بأهمية عضويتها هو في تمرير السابقة ومن ثم تثبيتها والتحاق غيرها بها. وبعد أن كان الوصول إلى العضوية الأممية ولو لدورة السنتين هو المنى للظفر بالمكانة وتطويع القضايا المطروحة، وإن كان بمجرد التلويح بها، ينتقل هذا التطلّع الكبير إلى تطاول على العضوية واستهانة بها. وهو كذلك. فالصدقية قوامها العدل الموضوعي لا اختزال التحالفات والقرارات في مصلحة الأمن الإسرائيلي. والسؤال الافتراضي السريالي هو: كيف تتصور العالم لو لم يتشكل الكيان الإسرائيلي ويحتل فلسطين؟ لو تتخيل الصورة ستجد أن الخريطة التي تعرفها لن تكون هي ولا سياساتها ولا حروبها ولا منظماتها ولا وجوهها. فنمنع الشتيمة ونسمح بالسحل والاغتصاب، فأي منطق؟ أو بسخرية بني شهر المحلية «ماعد أحلى!».
نقلاً عن صحيفة "الحياة"