دجل المشاعر
في اللحظة التي كانت تنفصل فيها أسمى الفضائل عن الواقع، ضاع في الأثناء الاعتقاد بها، وانتقل من غاية إلى أخرى، يرسل الليل إلى مدارك العتمة، ويرحل معه وميض النجم وضياء القمر إلى منتصف الوقت العميق، بصحبة النهار.
فإذا قررت أن تدخل للمجتمع من بوابته الكبرى، فغالبا ما تختار أحد أمرين، إما أن تخوض التجربة بشخصك الفاضل والنبيل، وإما أن تتوحد مع الأغلبية كيفما كانوا، وتدفن قلبك في فناء دارك، وتكافيء ذاتك وتخوض المسابقة بلا خوف أو تردد، وتتجاهل العاطفة العمياء التي جبلت على الفطرة، وتشرع المراكب خوفا من الغرق، إن الغاب والبحار بلا أزهار أو ثمار أو طرق منبسطة سهلة؟
ثم أن لكل غاية فحوى، ولكل شعور لحظة صفاء، وأيضا لحظات خطيئة، فمن الناس من ينهض قدرا لعقلك، ومنهم من يتعالى عليك، ومنهم من يقوم بدور النبيل، ومنهم في حال ازدهاء لا ينتهي، ومنهم من يسرقك من ذاتك، وأنت تعلم وتحترمه وتكيل له المديح بلا حدود، وشخص يصطف خلفك يمقتك لأن لك معه قصة هزيلة لا معنى لها، فيتجسد هنا دجل المشاعر، وقضية لبست ثوب الباطل، ثم تجاهلها الزمن والناس.
وبالتالي لا نجد أي شيء شفاف، يحرر العلل من القيود، ويكسر جرة النحس، فيمضي معظم الناس باحثا عن قواف خرساء ليختم بها نصوصه التي عكف عمرا على تأليفها من حقائق مشوشة، وواقعا تسحقه كرة ثلج ، وإرثا مذهلا من البؤس والكراهية. إن عشرة أشهر من عمر أي إنسان في هذا العصر تحقق له نضجا سياسيا وإداريا، واقتصاديا، واجتماعيا، في الوقت الراهن التقني، ويسهل عليه مرافقة العظماء والناجحين، ويشحذ همم المستقبل بكل اقتدار، وهو لازال يرنو مع الغزلان في ربيعها.
فكلما أكملت عقارب الساعة دورتها اليومية، تجدد أمرا غامضا اختبئ تحت أنقاضه عجزا موثقا يديره نخبة من المتآمرين، لإقصاء كل ما هو جديد وفريد، ليربحوا الزمن واحتياجاته المادية، على حساب الطامحين والباحثين عن حياة أفضل، وفكر أقدر على فهم المنظومة العالمية الحضارية، (فالناقد اللبناني «مارون عبود»من خلال كتابه «قدماء ومجترون» يميز مابين ثلاثة أصناف بشرية في تفاعلها مع هذا الفضاء الكوني فيقول: «إنَّ المفكرين الحقيقيين قليل في هذا الورى، والمشككين الحقيقيين أقل منهم، أما المطمئنون إلى كل شيء فملء الأرض وأفتك أوبئة الإنسانية، ذلك الاطمئنان الداخلي، مرض الدهماء الذين يعومون في زبد أنفسهم). فترتعد الأشياء خوفا وهلعا، وتهتز تلك اللوحات المعلقة على الجدران، من تسرب تلك الألوان.
هل نحن بحاجة إلى رسام مخلص للطبيعة كامل الأوصاف كما تمنى «نيتشه»، أم أن أغلبهم يتوق للخربشة على كل اللوحات، ولايريد التعبير بصدق وأمانة عما يشعره، ويمارس على الجدران صخب تتفتح براعمه كل يوم، ليرسم جدل مشاعر لافائدة منه، لماذا لا نجد سوى سيلا يجرف معه الفرائد وأشياء نمتلكها؟، أن الكثير في انتظار سحب محملة بالآمال المحلقه تنشد الرؤى الخالدة.
لأن هناك مهام لا تسير وفق الخطط، وقد تركت لوحات لا ترتقي للعرض، أو للمزاد أو للزمن.
لقد افتقد الواقع للوضوح، ولكن لعله المزج الأزلي الذي أودى بقدر الحاضر، وأراده لعبة في يد مقامر.
نقلا عن صحيفة "الرياض"