عواصف خلف كثبان الفساد

محمد المزيني
محمد المزيني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

ونحن الآن على مقربة من دورتين سنويتين جديدتين لمهرجان الجنادرية للتراث والثقافة ومعرض الكتاب واللجان المنظمة لهما، جزاهم الله كل خير، تعمل على قدم وساق لإنجازهما على الوجه الأكمل، وإلباسهما حلة تليق بهما، أقول ثمة كلمة يجب أن يصرح بها بين يدي هذه اللجان، كلمة من واقع التجارب السابقة، خصوصاً أنني أسهمت مع اللجنة الثقافية بمهرجان الجنادرية. وكذلك قدمت عدداً من الشهادات، وأدرت بعض أمسياتهما، فلم أحمد عليها ولم أشكر، وهذا لا يهم، فغيري كثير ممن أسهموا في فعاليات هذين الحدثين الوطنين الكبيرين أكثر مني بكثير، ومع ذلك لم يقدروا حق قدرهم، قد يتكرمون عليهم مشكورين بشهادات شكر لا تسمن ولا تغني من جوع، مع علمنا بأن ما يصرف على هاتين المناسبتين من أموال تعد ضخمة، مقارنة بمناسبات أخر، ومع هذا تظل التبريرات مريحة للخاطر، وأن كل ذلك في سبيل الوطن ولأجله، الأهم ألا تذهب الأهداف المتوخاة منهما سدى، ولا أن يقابل هذا الجهد والتعب بالكراهية والنفور، ولا أن تتحول الصورة التي يجب أن ترسم في أذهان المستضافين من أقطار العالم عن أخلاق وطننا وتقدمه الباهر إلى «صورة فجة». لا أقول ذلك تخميناً، بل نقلا مما سمعته من أفواه بعض من حلوا ضيوفاً على المهرجان ومعرض الكتاب، وجاؤوا إليه بأرواح تتوق إلى معرفة ذلك الوجه الجميل لهذا البلد الكريم المعطاء، وإذ بهم يخرجون منه كرهاً على كره، نحن نفهم جيداً بأن لكل شيء سلبيات ولكل جهد مبذول زلات وهفوات، فالكمال من صفات الله سبحانه وتعالى، بمعنى أن الأخطاء التي كانت تقع أو يفترض أنها ستقع تحت أدنى سبب، يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، وتعالج قبل حدوثها، إلى متى ترافق مع العمل خلتان وضيعتان هما اللا مبالاة وعدم الاستشعار الكامل بالمسؤولية. لقد عبرت أستاذة أكاديمية في إحدى الجامعات الخليجية، وهي مبدعة، عن رأيها في مهرجان الجنادرية بصوت عالٍ بين ثلة من المثقفين والكتاب والأكاديميين، أتوا لملتقى الإمارات للإبداع الخليجي المقام في الشارقة هذا الأسبوع، والذي أتشرف بأني عضو في لجنته التنظيمية، قالت موجهة الكلام لي بصيغة السؤال الاستنكاري، وكأنني المعني بتنظيم هذا المهرجان: «لِم تحرصون على استضافة المرأة ما دامت هي غير مقدرة لديكم، ولا تنزلونها منزلتها اللائقة بها، ألا تركتموها معززة مكرمة في بلدها تتعاطى مع حريتها المتاحة لها من دون مصادرة أو تشذيب كما فعلتم معي، وأنا ضيفة عندكم، أهكذا تقابلون ضيوفكم؟ ثم سردت تجربتها البائسة مع مهرجان الجنادرية، إذ أُنزلت في فندق الضيافة، وتُركت هناك، لا تستطيع الخروج لرؤية المدينة، ولا اللقاء بالمثقفين والأكاديميين، وعندما سألت عن سبب هذا الحصار، قيل لها: «لأنك حرمة»، ففسرت لها إحدى المحاصرات ذلك قائلة، يجب أن تبقي في حيز النساء بما يشبه «الحرملك»، وحذرتها بشيء من الترهيب من النزول إلى «اللوبي»، لأن ثمة متربصين سيقومون بتصويرها، وبث صورها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وقذفها بالعلمنة، ثم ذكرت لها حادثة ماريوت الشهيرة ومعمعتها، وهنا أود أن أقدم شهادة لازمة حتى لو كانت متأخرة، أنبه فيها إلى أن كثيراً من الصور التي نسبت إلى ماريوت آنذاك، والتي كنت ماثلاً فيها لم تكن قد التقطت في ماريوت بل من مناسبة أخرى، هي الأسبوع الثقافي السعودي في قطر، ولم تكن بهذه الفجاجة والترقيع اللتين عكستهما الصور، أقول هذا منبهاً إلى أن ثمة من يستغل مثل هذه الأحداث والمناسبات، لإيقاع فتنة داخل المجتمع السعودي وإحداث صدع لا يمكن رأبه، هذه الحادثة وأحداث أخرى تحدث وتكرر كثيراً ما لم تعالج بأكثر من طريقة أخلاقية وعقلانية، وما لم يتم ذلك فليس من اللائق استضافة المفكرين والمثقفين من خارج البلد، ليعودا محملين بسيئاتنا أكثر، قالت الدكتورة: «لقد فجعتني طريقة العزل المشوبة بالحذر والمخاوف، وأنا مثل غيري من المستضافات من أقطار عربية وأجنبية أخرى، تعودنا على أن نكون دائماً بمعية الرجل، لا ينقص من قدرنا أنوثتنا، ولا يزيدنا أننا إلى جانبه، لأننا معه متفاعلات بروح الفريق الواحد، ومع ذلك يصر منظمو معرض الكتاب ومهرجان الجنادرية على أن يقفوا باستشعار كامل لكل حركاتنا، كي يطمئنوا علينا، إننا أخذنا مقاعدنا في الصفوف الخلفية من الحافلة، كي لا ننكشف على الرجال، وأقترح عليكم قبل أن تستضيفوا أحداً، أن تبعثوا لهم بشروطكم وظروفكم، وأخبروهم عن عاداتكم وتقاليدكم التي ستفرضونها عليهم قبل أن تأتوا بهم، وتسكنونهم وتؤكلونهم وتحملونهم على مركباتكم الفارهة التي تجوب شوارع الرياض إلى حيث تريدون أن يروا بأعينكم لا بأعينهم، وكأنهم طلاب مدارس يقومون برحلة مدرسية، ختمت الدكتورة قولها بشيء من الحنق، صبيحة الغد طلبت الرحيل مع شرح وافٍ لما تعرضت له من إهانة، قال لي أحدهم ليرد الصاع صاعين: أتيت من بلد فقير، وتقولين هذا الكلام، فأجابته قائلة: البلد الفقير استطاع أن يعطي المرأة مكانتها، حتى أصبحت وزيرة وسفيرة.

انتهى كلام الدكتورة مع بعض التعليقات المستاءة، لا أنقل هذا تبكيتاً أو أني أشاطرها الرأي، بل لنعرف أننا مهما أكرمنا الناس بضيافتنا فقد نفسدها بسوء التنظيم، فمهما بالغنا من حفاوتنا بهم ما لم نمنحهم حريتهم التي جاؤوا بها بمنعهم من مزاولة حياتهم الطبيعية، ستذهب بلا طائل، ولربما تأتي بنتائج عكسية وخيمة، تسيء إلى سمعتنا وسمعة وطننا، فالطير الحر يظل محبوساً حتى لو وضعته في قفص من ذهب.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.