.
.
.
.

الإعلام السعودي ومحاربة الفساد 2-2

عبد الرحمن الحبيب

نشر في: آخر تحديث:

من الجميل للمسؤول الفاسد مقالات وتقارير تتناول الفساد بعمومية لا تكشف شيئاً غامضاً بل أغلبها تقول ما يعرفه الجميع.. هنا السلطة الرابعة تحاسب المجهول، فضلاً عن أنها تساوي بين المسؤول النزيه والفاسد، وبين المجتهد والمهمل! أليس هذا مريحاً للفاسدين؟

صحيح أنه أحياناً يقوم المقال أو التقرير بنقد جهة محددة كمؤسسة صحية أو تعليمية أو بلدية، لكن غالباً يتم بطريقة عاجلة مجتزأة دون توثيق أو الإحاطة بأهم جوانب الموضوع، معتمداً على مصدر مائع (قول فلان، خبر صحفي عارض..)، أو جانب من الحالة، أو فيديو، يشكل جزءاً عرضياً من الحدث ثم يعممه على الحالة دون كفاية أركان الاتهام: الواقعة بكامل سياقها، المتضرّر، المدّعى عليه، المختص أو المهتم بالموضوع أو الحقوقي.. الأمثلة كثيرة وآخرها قبل أيام إدعاء مجاني على أمين بلدية منطقة الرياض بتمزيق معاملة أحد المواطنين.. تم الرد عليه بوضوح بأنه «م يستند لأي دليل، ولم يظهر فيه أي مدعٍ، وهو ما يكشف عدم صحته»..

يمكن فرز نوعين سائدين من المقالات والتقارير: الأول الكتابات الإنشائية الانطباعية التي تتراوح بين «فش الخلق» والإثارة؛ معبرة عن وجود فساد ما، ويتم ذمه لدرجة أصبح بعض الكتّاب يتنافسون في حدَّة ألفاظ الهجاء المؤثرة بالعواطف.. فالأكثر بلاغة تعبيرية هو الحائز على الرضا الجماهيري. وليست المشكلة بهذا النوع من الكتابة، بل هو أحد مستويات مواجهة الفساد بصورة عامة، إضافة إلى أن بعض الكتّاب يبدع فنياً بالتعبير الانطباعي الساخر بمهارة أدبية تستحق الإشادة مثل خلف الحربي ومحمد الرطيان وغيرهما. لكن أن يقلدهم كثير من الكتّاب بمستوى فني متواضع، وأن تكون طريقة التناول هذه هي السائدة يحولها إلى تنفيس سلبي يعلن عن الأخطاء بشكل عام ولا يكشفها بشكل محدد..

النوع الثاني، هو مقالات التحليل الموضوعية والرأي الجادة، لكنه أقل انتشاراً وبلا شعبية. هذه الكتابة التي تحلل ظاهرة الفساد من ناحية آلياته وبيئته الإدارية والاجتماعية ومآلاته وأساليب مكافحته، رغم أنها أهم كثيراً من الأول إلا أنها مثله لا تحدد جهة فاسدة ولا حالة معينة يتحملها مسؤول معين..

هناك النوع الثالث النادر في إعلامنا.. وهو المهني المحترف الذي يعتمد على الرصد والكشف لوقائع موثقة مدرج فيها الأطراف المعنية. هذا النوع نحن في أمسّ الحاجة له؛ وما النوعان السابقان إلاّ مكملان له.. إنه ما يجعل من الإعلام سلطة رابعة لأنه يكشف معلومات غير معروفة مدعومة بالشواهد التي توضح كامل المشهد، مستنداً على الوثائق وأقوال المشتكي والمتهم والمصادر المرتبطة والمختصين والخبراء والحقوقيين..

فلو أخذنا مثلاً كارثة سيول جدة، قلّما وجدنا في الصحافة تقريراً أو مقالاً يفتح ملفات مجهولة أو معلومات مخفيَّة عن أحجام المناقصات الخاصة بتصريف السيول وتحديد الأحياء المرتبطة بها وفترتها الزمنية، وعن المشاريع التي لم تنفّذ والجهات المسؤولة.. أو أي معلومات لا نعرفها. لكن أغلب ما حصل هو مقالات «فش الخلق» وبكائيات وإثارة بلا معلومات وثائقية... وبطبيعة الحال ثمة استثناءات قليلة نجد فيها النوع الثالث في الصحف، إضافة إلى برامج في الفضائيات بدأت تظهر مع منافسة الإنترنت، مثل «الثامنة» لداود الشريان و«يا هلا» لعلي العليان...

لماذا تسود المقالات الانطباعية والتقارير العاجلة المجتزأة؟ الثقافة العربية السائدة هي خطابية إنشائية؛ ومن ثم هي بالكتابة الصحفية ذات ميول أدبية (ذاتية) أكثر من كونها منهجية (موضوعية). على هذا الأساس يفهم كثير من الكتّاب والصحفيين السعوديين عملهم في كشف الفساد. هذه الثقافة هي أيضاً ذات ميول شفهية أكثر من كونها تحريرية.. فهي كثيراً ما تعتمد على قول فلان أو على أن التهمة للجهة الفلانية واضحة لا تحتاج لدليل، وكأن الكتابة عبارة عن حكي مجالس يتم صياغته صحفياً..

أكثر ما يساعد على النمط الانطباعي هو صعوبة الوصول إلى المعلومات، وضعف الشفافية الرسمية، والافتقار إلى الأنظمة التي تدعم الشفافية.. وتلك تناولها الجزء الأول من المقال. لذا يعتمد المقال على انطباع الكاتب، وتعتمد التقارير على انطباعات المختصين والمثقفين أكثر من الوقائع وتوفر أركان الاتهام. ومن هنا تواجه الصحافة السعودية في كشف الفساد إشكالات منهجية من جهة وبنيوية ثقافية من جهة أخرى تتمظهر في طغيان المقالة الانطباعية والتقرير العاجل المجتزأ.

ليس من المستغرب أن يسود النقد الانطباعي العام تجاه الفساد أو الاتهامات المجانية، إذا كانت لا توجد مادة واضحة في الأنظمة الإعلامية المحلية تعطي الحق للوصول للمعلومات، ولا توجد مادة واضحة تحمي من يتعرّض للاتهام، سواء في نظام المطبوعات والنشر أو لائحته التنفيذية، رغم أنّ المواد التي تلمح ولا تصرح بحق الوصول للمعلومات أو حقوق من يتعرّضون للاتهام قلّما يلتفت إليها، وقلّما يلتفت إلى التشريعات العامة (القضاء الشرعي) الذي يمكن أن يحل محل غياب التشريعات الإعلامية.

ما نفتقر إليه هو تقارير أو مقالات المكاشفة التي تسمِّي الأشياء بأسمائها دون مواربة أو كلام عام.. تقارير تكشف ما لا نعرفه عبر الوصول إلى الملفات البيروقراطية والمناقصات والصفقات المختبئة وراء غبار الأرفف أو الأدراج المقفلة. وليس المقصود هنا الاتهامات المجانية ولا كشف أسرار خاصة ليست من حق العموم، بل الشفافية المسؤولة والمهنية الجادة.. فضمن ما ذكره قرار مجلس الوزراء في وسائل تحقيق أهداف الاستراتيجية الوطنية لحماية النزاهة ومكافحة الفساد، كفالة حرية تداول المعلومات، باعتبارها مبدأ أساسياً في طريق الشفافية والمكاشفة..

يُعَد الإعلام في الدول المتقدمة من أهم مصادر كشف حالات الفساد، لذا أطلق عليه السلطة الرابعة بعد السلطات الثلاث، وفي زمن الإنترنت أطلق عليه مجازاً «كل السلطات» لما له من قدرة هائلة على كشف الفساد حسبما أظهرته الوقائع الأخيرة. كما نرى محلياً كيف أن كثيراً من حالات الإيذاء أو إساءة استخدام السلطة تدخّلت فيها الأجهزة الأمنية بعد كشفها في الإنترنت خاصة عبر اليوتوب.. لكن الخطورة هنا أنه قلّما يلتفت للأنظمة والتشريعات التي تضع أصولاً للاتهامات لكي لا تتحول إلى مجانية يتهم بها أبرياء. فهل يسحب الإعلام الافتراضي البساط من الإعلام التقليدي؟

- جزء معدّل تحريرياً من ورقة عمل قُدِّمت ضمن فعاليات اليوم الدولي لمكافحة الفساد، جامعة اليمامة بالتعاون مع الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد

نقلا عن صحيفة "الجزيرة".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.