القصاص من المعلمين بأثر رجعي
هبطت سفينة «حقوق الطفل» على بلادنا بعد أن تلقينا في مدارس وبيوت جرعة زائدة من العنف، ويراودني كل مساء حلم حول إمكان التقاضي والقصاص منهم جميعاً، ميتهم والحي، صنعوا مني إنساناً هشاً «ترف عينه» كلما حرك أحد الجالسين بجواري يده حتى لو من أجل «حك خشمه»، أو حجب رذاذ عطاس.
تغيرت ملامحنا، لم نعد نشبه آباءنا كثيراً، لأن أصابع المعلمين ذات أثر أكبر من مشرط جراح تجميل، والإتمامة دون ملامة تنهال من أوانٍ منزلية أو أصابع حديدية يرسلها كل من في الدار أو الجوار، وكنا في زمن تعددت فيها الآباء وصلاحياتهم حد وصولها إلى بواب المدرسة.
كان «البصاق» عطراً يومياً، ترسلها - في الغالب - أفواه لا علاقة لنا بها إلا صداقتنا لأولادهم، أما أداة الجلد الأكثر شهرة وانتشاراً، الأسود المرعب المسمى «العقال» فبقايا آثاره النفسية في أرواحنا، أكثر من «أطلال خولة في برقة ثهمد»، لأننا مجبورون على التعمم به، كنا تحت سطوته صغاراً ورفعناه على رؤوسنا كباراً.
فاق العنف النفسي ضرر الجسدي، تنسى الأجساد وجع سياطها، تتورط الأرواح بكلمات جلادها، كنا نتمنى أن تصفعنا خمسة أصابع تخلصاً من سهام خمس كلمات. بعض الكلمات تتعلق نبالها في أجسادنا، أرواحنا، أسلوب تفكيرنا، قراراتنا، وتلعثم بعضنا، لا تزال بعض قراراتنا في الحياة مرتهنة لعنف نفسي، لفظي وتجريح استقبلناها في طفولتنا. يتمنى الفاضلي قبول القضاء، جمعية حقوق الإنسان، وشقيقتها الصغرى «حقوق الطفل» لشكواه ضد كل جارح أوغل مخلابه، وكل لسان «لعلع» احمراره، ليس بحثاً عن عقاب لهم، بل تلمساً لغفران صادق أمنحه، لعلني أنقّي ذاتي من خطايا حقد مديد، وأستعيد بعد ذلك إنساناً من علامات كرامته أن يعيش من دون خوف، ويغرق في نوم لا يعكره كابوس.
مات معظم الخصوم، غفر الله لهم، وهو دعاء قد لا يكون مستجاباً، لأن القلب لم يلفظه بوضوح، قد يمنحه الوضوح اعتذاراً رسمياً من وزارة التعليم عن كل جرائمها أسوةً باعتذار جيوش ودول عن مجازر إبادة مارستها ضد شعوب تعرضت للظلم.
انعكس العنف القديم على الأطفال عندما أصبحوا آباء فأسرفوا في تدليل أولادهم، ونافحوا عنهم في مدارسهم، ذلك اعتذار من أنفسهم لأنفسهم، ومحاولة غير نقية لإثبات أنهم أفضل من آباء كانوا يقولون للمعلمين: «لكم اللحم ولنا العظم»، ويقولون: «الخال والد»، والأكثر كارثية إجبارنا على تقبيل كل رأس يمرُّ في الشارع، لأنه «عمك»، بينما في حفلات وولائم يختارون لنا أطراف مجالس وركناً قريباً من أحذية الضيوف.
يصعب علينا معشر كهول العمر ممارسة شكوى عن عذابات عهد الصغر، لأننا عشنا دهراً مؤمنين بأنها تربية أنتجت من الصلصال رجالاً، ثم مع انكشافنا على اتفاقات دولية ومنظمات عالمية اكتشفنا انتماءنا إلى طائفة مضطهدة، قد عانت ظلماً كاد يمتد إلى الأولاد والأحفاد لولا تدخل دولي واستجابة محلية.
تأتي الخلاصة على شكل بوح «والله تكفخنا» في طفولتنا بما يكفي، لتسجيلنا في عيادات نفسية تنزع من أرواحنا وعقولنا أشواكاً تمنعنا حالياً من قطف الورد، لدرجة أننا نخجل من الفرح، نتردد في ممارسته، لأن كل أفراح صغار زمان يتبعها طوفان عذاب وكأن السماء كانت تمطر سياطاً، لعاباً، نعالاً، لم يحجبها كل دمع، شهيق، ونظرات انكسار حتى صار تحت كل جلباب - في معظم الأحوال - خلل نفسي ومعناه «شوية هبال».
نقلاً عن صحيفة "الحياة"