إدارة المجتمع بوعي القبيلة
ظهرت فكرة الدولة المدنية عبر محاولات فلاسفة التنوير في إرساء مبادئ المساواة ومراعاة الحقوق، وقد تحدث الباحثون عن دور القبيلة ككيان وعامل مؤثر في العمل السياسي، مما يجعل ممارسة الديموقراطية أمراً صعباً في ظل وجود نفوذ قوي للقبيلة، في حين يستأثر مشائخ القبائل بالمنح والهبات واستقطاع الأراضي دون حصول أفراد القبيلة على شيء من المزايا، ورغم انحسار دور القبيلة نتيجة لعوامل مختلفة إلا أنها تظل عنصر الأمان الاجتماعي فيما لا يزال صوت الفرد غائبا ليظل تابعا لما تمليه ثقافتها وممارساتها التقليدية، وملزما باللجوء إليها حفاظا على هويته وانتمائه.
دور القبيلة لا يشكل عائقا في قيام المجتمع المدني، ولكن يمكننا اعتبار وعيها مؤثرا وعاملا سلبيا ضد تحقيق المدنية، فإذا خرجت فكرة القبيلة من مخابئها إلى المجال العام ستتسبب في صراع سياسي واجتماعي وستبعث سلوكا تدميريا للاستقرار، لأن النخب القبلية لا تهمها إلا مصالحها وإظهار وجاهتها على حساب الآخرين، إضافة إلى أن فكر القبيلة وفق تصوراتها تشكل خطرا على الوعي الحديث، فهي تؤسس وعيها التقليدي بصورته المؤدلجة بتمحور القبيلة حول تعصبها وإبراز منطلقاتها في نزوع استبدادي يتجاوز مصلحة المجتمع، وبهذا فإن إضعاف دور القبيلة التخريبي من أهم العوامل التي تسهم في بناء المجتمعات الحديثة، مع الإبقاء عليها كمكون طبيعي في بنية المجتمع بعيدا عن تأصيل وعيها وتأويلاتها في الفكر الاجتماعي، وهذا سيسهم في نجاح أي عمل ديموقراطي في المستقبل.
من الضروري تعويض الفرد بالعمل على تأسيس القيم الحديثة القائمة على الحب والتسامح وقبول الآخر، فلا يجد نفسه مضطرا ليستظل بمظلة القبيلة وبالتالي تقل فاعليتها، وبهذا نتمكن من تجاوز التكوينات القائمة على المناطقية والفئوية والمذهبية، والتي تسببت في التفريق بين الأفراد وإثارة العنصرية والتمييز القائم على الواسطات وغيرها من الممارسات التي تشوه المجتمع.
نقلا عن صحيفة "الوطن"