بورصة ديون الشعوب
تمتلك أسواق الثراء مؤشرات وبورصات تحدد ارتفاعها وهبوطها، وتُلاحَق حتى ممّن لا ريال له فيها، وتعيش تفاصيلها كافة في النور، بينما مؤشرات الفقر وبورصاته تعيش في تعتيم وظلام، على رغم وضوح أحدها على شكل دفتر مشاع للاطلاع بجوار باعة البقالات الصغيرة، يحمل أسماء رجال ونساء يشترون حتى أرغفة الخبز بالدَّيْن إلى حين ميْسرة أو راتب.
استطاع أبناء دول فقيرة الوفادة إلى السعودية بنية العمل اليدوي، ثم تحولوا إلى تجار صغار وكبار (والله يرزق من يشاء بغير حساب)، لكن جزءاً من تجار التجزئة الأجانب يمتلكون اطلاعاً أكبر على بورصة الفقر السعودي ويربون ثرواتهم في جحيمها، لكنهم أكثر رحمة بنا من أبناء جلدتنا المنغمسين في ربا مكاتب التقسيط الفوري، المالكين لشيكات مصرفية من دون رصيد تكفي للزج بربع سكان السعودية على الأقل في السجون، ليس في مقابل أصل الدَّيْن فقط، بل في مقابل فوائد ربوية.
تمتلك شركات بيع السيارات بالتقسيط بورصة فقر واسعة الانتشار، ومخيفة جداً، لأنها إمبراطوريات تمتلك نفوذاً كبيراً يخوّلهم «قَفْط» كل متعثر عن السداد من تلابيبه، وكشف عورته أمام زملاء عمله، أهل بيته، أصحابه، قبل سحب سيارته منه - وفق نظام سابق - أو دفعه إلى التعايش مع أزمة اقتصادية قد تؤدي به إلى تهلكة معيشة فيما إذا تمكنت بقوة القانون من إرغامه على تسديد السابق واللاحق من قيمة السيارات.
تأتي البورصة الرابعة بصناعة كبريات مصارفنا عندما تشاركت في تأسيس «القائمة السوداء» للمقترضين منها، المتعثرين عن السداد، وهو ما نتج منه صناعة سوق سوداء عريضة تنشط في زيادة حجم دَيْن الفرد، في مقابل إخراجه من القائمة السوداء، من خلال شراء القرض بقرض أكبر، والدفع به إلى أعوام أكثر سواداً يمضيها في تسديد قرض أكبر في سواده من القرض السابق.
تتبنى السعودية محاربة الربا، وتترك أسواقه تعيش بربحية أكثر من التجارة الحلال، وكل ربا جالب لفقر، وضنك حياة مديد، بما فيها الحلول المصرفية المتكاثرة في مجال الإسكان، بينما الجزم أقرب وأصدق من التخمين حيال إيماني بأن كل سعودي مرّ بتجربة فقر أو دَيْن ما لم يكن أحد أبناء عائلات تمتلك حظوظ ثراء متوارثة، في حين كل موظف لم يتورط في ديون يستحق وساماً من الدرجة الأولى، في مقابل قدرته وعبقريته.
يسيطر اليقين بأن «كل مديون فقير»، وكل مستأجر دار أيضاً، لأن الغنى يعني الاستغناء عن الناس، وفي حالتي الإيجار والدَّيْن تُلغى صفة الاقتدار المالي، حتى لو كان الراتب الشهري عالياً، بينما كلمة فقير مضادة لكلمة غني، وليس لكلمة ثري ضد، كما لا دراسات ولا عدد للداخلين يومياً في دائرة فقراء السعودية، لأسباب منها تفاوت القوة الشرائية للريال السعودي بين مدينة وجارتها، وكذلك داخل المدينة تختلف قوته، فعلبة المشروب الغازي في جدة تتصاعد من ريال ونصف الريال إلى 12 ريالاً في مقاهي وفنادق تجاور البحر.
تتجنب الحكومة والشركات الكبرى ممارسة استثمارات في تنمية البيئات الفقيرة، لأسباب منها: عدم قدرتنا على الاعتراف بوجود فقر واسع، أو فهم كيفية حدوثه، بينما الهرب نحو تأسيس وإنفاق على مشاريع «برجوازية» يتصدر المشهد والشارع، وعلى لوحات الطرق بما فيها إعلانات مستفزة تؤكد أن امتلاك منزل يستوجب إنفاق مليون ريال ونصف المليون كحد أدنى.
يستحق بنك التسليف السعودي «بوسة» على الرأس، لأنه الكيان الوحيد المجاهر باعترافه بوجود «فقر سعودي»، واعترافه يمسح سيئات صعوبات اشتراطاته، في حين تكاد تكتب مصارفنا الكبرى على أبواب فروعها: «لا توطوط من هنا، إذا كنت من ذوي الدخل المحدود»، بينما مصطلح «ذوي الدخل المحدود» كان - ولا يزال - اختراعاً حكومياً بحتاً موسوماً على مخططات سكنية، وليس أسوأ منه إلا أسطورة كاذبة ومنافقة تحمل اسم الإسكان الخيري تتجاور كلمات «خيري، محدود، تقسيط، وغيرها» لإثبات أن أدبيات الشارع السعودي محفوفة بدلالات كثيرة على وجود فقر مهول، رفضنا الاعتراف به، حتى أتى بائع بقالة وكتب أسامينا على دفاتر تشهد أمام الناس وربهم أن آباء يشترون حليب أطفالهم، وأرغفة خبزهم بالدَّين إلى حين ميْسرة. يا أيها الفقراء، معذرة، معذرة لأن أساميكم مكتوبة على رؤوس الدفاتر والأشهاد.
نقلا عن صحيفة "الحياة"