زيطة صانع العاهات
التسول وجد منذ أن وجد الفقر، أو الحياة نفسها، والعاهات من أنجع الوسائل لتوسله، ومهنة صناعة العاهات وجدت، فيما أحسب منذ أن وجد التسول، وأول من لفت النظر إليها، في نظري على الأقل، نجيب محفوظ في روايته: "زقاق، المدق" وهو من شخصيات الروايات التي لا يمكن أن تنسى، ورغم مرور خمسين عاما على قراءتي للرواية فإنّ هذه الشخصية ما زالت راسبة في نفسي، وأن يلجأ إنسان ما على إصابة نفسه بعاهة هو قمة اليأس النابع عن كراهية الحياة ذاتها، وأكثر ما يأباه الإنسان هو الضعة والهوان والتسول ليس عارا على المتسول وحده، بل في المقدمة عار على المجتمع الذي يعيش فيه، ولهذا سعت المجتمعات إلى محاربته والقضاء عليه، وقد نجح بعضها في العالم المتقدم في الحدّ منه، ونادرا ما يجد المرء في شوارعها أيّ متسول، أما نحن فرغم ما أنعم الله علينا من ثروة طبيعية، فلم نقض على الفقروالعوز، ولهذا نجد المتسولين في كل مكان نرتاده ونختلف إليه وفي تقاطعات الشوارع وإشارات المرور، ويقتحمون مجالس عزائنا، قد يقال إنّ معظمهم من الأجانب، ولكن حتى هؤلاء يجدون عملا، ولو غير مشروع، في المجتمعات المتقدمة، ولا تسألوني عن الحل، فليس بوسع فرد واحد أن يجده، إذ هو عبء على المجتمع بأكمله، وهذا ما يجب أن نفعله، وقد حاولنا، ولكن الطريق ما زال طويلا أمامنا، وأخشى أن يطبق علينا اليأس وتخور منّا العزيمة.
نقلا عن صحيفة "الرياض"