مرصد حضري لكل منطقة!
استمتعت كثيراً بقراءة نماذج من نتائج المؤشرات الحضرية لمدينة الرياض لعام 1434هـ، وضَعت هذه النتائج يديها على مفاصل تنموية وحضرية تجعلنا نعرف بدقة أين يكمن القصور وما هي آلية العلاج لمستقبل أكثر أماناً، فرحت بالمؤشر لأنه يقول لنا كيف هي العاصمة الآن، ومن خلاله يمكننا الحكم المبدئي على مناطقنا الأخرى في ظل قناعتنا المتوارثة بأن الرياض تستأثر بالنصيب الأكبر من موازنة الوزارات، وتستحوذ على الرقم الأعلى من عدد السكان، ومن خلال مؤشر الرياض الحضري قرأت أهم الأرقام عن 11 مؤشراً.
المرصد الحضري بالمفهوم العلمي التقريبي هو مستودع لجمع المعلومات وتحليلها ومقارنتها بغيرها، والاستفادة منها في صياغة الاستراتيجيات وبناء الخطط ووضع البرامج وتقويمها، وهي المهمة التي قامت بها الهيئة العليا لتطوير منطقة الرياض، على رغم قناعتي الشخصية البحتة بأن على وزارة التخطيط أن تكون مستودعنا السعودي الأشهر للمعلومات ودقتها ورسم الخطط للمستقبل، لكن وزارة التخطيط ربما مشغولة بمهمات أخرى، أو أن حجم العمل المطلوب منها يفوق قدراتها الإدارية والبشرية.
يفصح مرصدنا الحضري بالعاصمة في نماذج من نتائجه عن الأرقام الآتية: «2,2 طبيب لكل 1000 نسمة، 22,1 سرير لكل 10 آلاف نسمة، 73 في المئة نسبة مساحة الأراضي البيضاء المخصصة للسكن، 51 في المئة نسبة المساكن الموصولة بشبكات الصرف الصحي، 62 في المئة نسبة المياه المعالجة من إجمالي مياه الصرف الصحي، 26.1 طالب في كل فصل للمرحلة الابتدائية، 15,5 طالب لكل معلم في المرحلة الابتدائية، 15.5 في المئة نسبة السعوديين العاملين في القطاع الخاص في مقابل إجمالي التوظيف في القطاع»، أخذت بالطبع نماذج معينة ولكنها كافية للمسح على طاولات معظم المعنيين بالنهضة الحضارية العمرانية الاقتصادية الشاملة.
سأشكر الهيئة العليا لتطوير منطقة الرياض، وأقف من بعد الشكر الخاص متسائلاً في العموم عن إمكان استنساخ التجربة ذاتها في مناطق المملكة كافة وعلى المؤشرات ذاتها التي سارت عليها هيئة الرياض، هل يعد ذلك ممكناً ودقيقاً أم ستضرب المناطق في المليان كما يقال؟ نسب العاصمة ليست الأفضل، وبالتالي لن تكون نسب المناطق المتبقية أفضل حالاً، إنما سترفع الستار عن الحقائق المغيبة لا الغائبة، وتعلمنا ماذا يجب أن نتوقعه في المستقبل، وما هي الجهات التي نامت أعواماً طويلة مكتفية بتوزيع الأرقام المخدرة والحديث عن تنمية متوازنة ونظرة عامة للجغرافيا، على رغم أن ثمة فجوات ومستوى معيشياً متبايناً حتى في الأجزاء الصغرى من المناطق.
المرصد الحضري لكل منطقة سيتحدث عن الأشياء التي لا تصدق، ويجعلنا ندقق في الأشياء التي لم تحدث، هو توجّه جريء لكشف الماضي والتثبت من الحاضر ودرس المستقبل جيداً، ولذا فقراءة النسب المضافة في مناطقنا الأخرى خطوة منتظرة، وليست مستحيلة إلا على من هو مؤمن بأن النتائج تكشف عمله، وحينها سيقاتل لتتعثر الخطوات وتقف عند مكانها السابق الذي تتفوق فيه لغة القول على لغة الفعل، وتكون فيه المخرجات أقل بكثير من صور العرض المشعة عند حفلات التدشين ومشاريع الافتتاح وقص الأشرطة.
نقلا عن صحيفة "الحياة"