استقلالية مجلس الخدمات الصحية
لا يمكن للحديث عن الخدمات الصحية كمُنْتَج أن يدور بمعزل عن النظام الصحي كمصدر، والخوض في تفاصيل منطقة الوسط، برغم أهميتها، ليس مرمى المقالة، لأن فك الاشتباك بين المفهومين وتفكيك منطقة الوسط يحتاج إلى مساحة مستقلة لا يدخل في حدودها شأن آخر، لما لها من شجون تنشد التوسع في الطرح والتعليل.
ويبقى الجدير بالذكر، أن الصحة الشاملة بمفهومها المشتمل على الجوانب «الأربعة»: الوقائي، التعزيزي، العلاجي، والتأهيلي، أيضا حق لجميع الناس. ولا ريب أن الحصول على هذا الحق بعدالة وجودة مكفول بالنظام الأساسي لأي دولة مهما تباينت الصياغات الدستورية شكلا، وهو النظام الذي يفرض بالصراحة أو الضمنية ضرورة اليسر في الحصول على الخدمات الصحية مع وجوب خلوها من المخاطر الموسومة في العرف المهني بالتعارض مع مبدأ الجودة، كغياب امتياز الخبرة في العنصر المهني، وبالذات الكادر الطبي والتمريضي وفريق الخدمات الطبية المساعدة الذين تستدعي طبيعة أعمالهم تحقيق معايير الخبرة وفق أبعادها «الثلاثة» المتمثلة في «المعلومة والمهارة والسلوك»، كما يفهم أهل الاختصاص في مجال الإدارة الصحية، الذين يفترض ألا يغيب عنهم في الجانب الآخر ما لجودة العنصر التقني من أهمية في مجال سلامة المرضى -العنصر المتين الذي يشكل مع عنصر الخبرة أرضية الجودة النوعية لتحسين الخدمات- الغاية التي يسعى إليها كل نظام صحي، والطريق ليس بعسير لمن أراد وعَزم، ولكنه طويل، ومهما كان تظل جودة الخدمات الصحية ومأمونيتها هدفا حيويا وضرورة حتمية لاستقامة الحال.
في عموم المسألة يظل من المتفق عليه أنه مهما كانت الريادة لا يوجد في العالم دولة تقدم خدمات صحية شاملة مكتملة المعايير وخالية مما يعيبها أمام الرقيب ولدى المتلقي بشكل مطلق، هذه ليست قناعة بل حقيقة يمكن تلمسها من خلال تقارير منظمة الصحة العالمية أو البحوث والدراسات الصحية المحكمة وخلاف ذلك من موجودات الواقع، نعم هناك محاولات للتميز وتجاوز الصعاب والدرجات تتفاوت من نظام صحي إلى آخر يبقى التمويل شماعة يعلق عليها القصور، والحقيقة أنه يشكل التحدي الأبرز الذي تواجهه جل الأنظمة الصحية، وأحسب المملكة العربية السعودية في مقدمة الاستثناء في هذا المنحى لما تخصصه من الميزانية العامة للإنفاق على الصحة، بمعنى أنها توفر «كامل الحماية المالية» للنظام الصحي المكون من عدد من الجهات الحكومية، إضافة إلى ما يقدم من دعم تمويلي للقطاع الصحي الأهلي، ومن هذه الجزيئة تقدم الفرصة نفسها لملامسة عنوان المقالة.
في العموم مجلس الخدمات الصحية، أنشئ بناء على المادة 16من النظام الصحي ويتولى الاختصاصات الواردة في المادة (17) والمادة (17 ل) من اللائحة التنفيذية التي تنص على إعداد استراتيجية الرعاية الصحية في المملكة ووضع التنظيم الملائم لتشغيل المستشفيات التي تديرها الوزارة والجهات الحكومية الأخرى وفق أسس «الإدارة الاقتصادية ومعايير الأداء بالجودة النوعية» مع إقرار سياسة التنسيق والتكامل بين جميع الجهات المختصة بتقديم الرعاية الصحية إضافة إلى قيامه بتطوير النظام الصحي وترابطه وتحسين أدائه ويتبعه ثلاث لجان وطنية مهمة للغاية.
الخلاصة أن مهام المجلس واختصاصاته حتى وإن كانت منبثقة من النظام الصحي أصلا، تحتم من وجهة نظري وجوب الاستقلالية وخروجه من أي هيمنة إشرافية أو سطوة مراقبة أداء تنبثق من أي جهة من مكونات تشكيله الحالي لاحتمالية نشوء الصراعات الإدارية، عطفا على تركيبة المجلس الحالية وتعددية مصادر تقديم الخدمات الصحية التي تتولاها عدة جهات: وزارة الصحة، الخدمات الصحية في القطاعات العسكرية، وهي ثلاثة قطاعات، إضافة إلى المستشفيات الجامعية، والقطاع الخاص. الاستقلالية ستحقق مبدأ الشفافية والحيادية والسيطرة ولربما احتواء التكاليف وتصحيح الأوضاع. والسؤال: هل هناك ما يمنع استقلالية مجلس الخدمات الصحية عن هيمنة الجهات المسؤولة عن تقديم الخدمات الصحية؟! فالاستقلالية ضرورة... وللحديث بقية.
نقلا عن صحيفة "مكة"
www.makkahnewspaper.com/makkahNews/2014-02-17-09-03-10/48134#.U4GbZLjpeM8