الليبرالية في الشرق الأوسط

د.منصور الشمري
د.منصور الشمري
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

الأسئلة الفكرية تعتبرمنطقة صراع بين عقلين من مدرستين مختلفين أحدهما يُحكّم الآية والحديث النبوي ويُقدمهما والآخر يبحث عن ما يوافق العقل ويرفض ما سواه, وهذا الصراع أنتج دون أن يشعر المنشغلين به نشوء جيل جديد يخلق لنفسه مدرسة ثالثة هروباً من منطقة الصراع التقليدية ومحارباً لها نتيجة للنفور منها, لذلك يقول السيد مارك سيجمان في كتابه فهم شبكات الإرهاب " أن هناك جماعات حولت نفور الشباب المسلم إلى إرهابيين",وهذا النفور يجب أن يُعالج بإحتواء فكري يخاطب عقول الشباب عبر الإعلام والمسجد والجامعات والمدارس والأنديةالرياضية دون إشعارهم بإملاءات معينة, كما يجب الإبتعاد عن الإشباع العاطفي الذي بزوال سببه يزول أثره, ولقد ألمح صاحب الفَرق بين الفِرق في زمنه المتوفى سنة 1037م إتهام صغار السن من جيل الشباب للعلماء وعدم الثقة بعلمهم. إنّ المقدمة السابقة مهمة للشروع بقراءة ( الليبرالية في الشرق الأوسط ) ففي كتاب الليبرالية الإسلامية يقرر المؤلف السيد ليونارد أن العلمانية في الشرق الأوسط تنخفض معدلات قبولها وقد لا تصلح أن تكون أساس إيديولوجي لليبرالية السياسية حتى إنتهى إلى أنه دون وجود ليبرالية إسلامية فإن الليبرالية السياسية لن تحقق النجاح, وهذا يعصفُ بنا ذهنياً لنصطحب أثناء القراءة ما يسمى بالإسلام السياسي كجزئية ذات بُعد علمي, وأعتقدُ أن السبب في إنخفاض معدلات قبول الليبراليةبالشرق الأوسط هو أن الليبرالية الغربية تختلف جذرياً عن الليبرالية العربية, فالليبرالية الغربية قامت في أوروبا عبر عدة مراحل طويلة من التطوير كان سبب قيامها حاجة الفرد الأوروبي للنظام الذي يكفل حقوقه وحريته، وأستطيعُ القول بأن نشوء الليبرالية في أوروبا كانت حالة خاصة لا يمكن توظيفها على مناخ ثقافي آخر مختلف يتفرع منه الدين والسياسة والإقتصاد, كما أن الليبرالية السياسية مرفوضة بسبب أنها تشكّل خارطة طريق تخالف الأرث الديني والثقافي والإجتماعي عند كثير من المجتمعات العربية والمسلمة, ومن هنا ظهر ما يُسمى بالفكر الليبروإسلامي راسماً طريقاً للإسلام المعتدل وإصلاح فهم المسلمين للإسلام وليس لإبعاد المسلمين عن دينهم على حد تعبير معتنقي هذا الفكر, ويجوز التعبير عن الفكر الليبروإسلامي بأنه عبارة عن إختلاط أكثر من عنصر لتشكيل ناتج واحد أو متشابه. إنّ الليبرالية الإسلامية تقوم على الدخول في واقع المجتمعات المسلمة والبحث عن التغيير النوعي الذي يُحاكي البُعد السياسي والثقافي والديني في ظل وجود نمطية دينية أصبحت محط الأنظار مؤخراً ومصدر مزعج لأتباع الديانة الإسلامية بين مؤيد ومعارض, كما ساهمت بوجود حالات تمرد على المدرسة الدينية من بعض أتباعها هروباً من التقليد إلى التجديد, إلا أن حالات التمرد هذه لم تكن سوى محاولات تدور في فلك النمطية الذي يتسع للكثير من الأفكار المتعارضة والمتفقه, كما تحاول الليبرالية الإسلامية مخاطبة المجتمعات عبر وسائل الإعلام بكثرة, لذلك يقول محمد علي وهو أستاذ بجامعة شريف هداية الله بجاكرتا أنه تم إنشاء شبكة الإسلام الليبرالي في إندونيسيا عام 2001 لمحاربة الإسلام الأصولي. الليبروإسلاميون يعتقدون أنه لا تعارض بين مبادئ الليبرالية ومبادئ الإسلام فهم يتحدثون عن حرية الإعتقاد والفكر والتسامح وحرية التعبير والمساواة والتي قد كفلها الاسلام قبل 1400 سنة للبشرية, وعدم التعارض هذا يجعل بعض النقاد يطرحون السؤال التالي : ما حاجة المجتمعات المسلمة لليبرالية وقد كفل الإسلام كديانة لها مراجعها الأصلية كل هذه الحقوق ؟! وعلى الصعيد الديني فبعض علماء الإسلام يطلبون من الذي يدعي بأنه مسلم ليبرالي بالتوبة إلى الله من هذه الأفكار حتى يكون مسلماً حقاً. إنّ الليبرالية الإسلامية تمر بأزمة تعريف وإقناع للمجتمع الإسلامي بجدواها كعملية لها تطبيقاتها المقبولة على أرض الواقع, كما أن الفجوة تزداد بشكل ملحوظ خاصة مع ظهور وسائل التواصل الإجتماعي ( تويتر – الفيسبوك – اليوتيوب ) لذلك يبقى الأمر بين يدي الليبروإسلاميين وحدهم وهو أمرٌ فيه تحدي كبير, فإما أن تترجم الليبرالية الإسلامية ماتحمله من فكر لواقع مقبول في الوسط الإسلامي والعربي أو فإنها بكل بساطة ستزول تدريجياً. إنّ حاجة المجتمعات المسلمة للخروج من العُزلة الفكرية أو الإنغلاق الإجتماعي (Social Closure) تدعو إلى إيجاد بيئة حاضنة أولاً وليست بحاجة إلى فكر جديد أو إن صح التعبير " مطوّر " إطلاقاً, فمحاولات رئيس وزراء ماليزيا السابق داتو سري عبدالله التي وضع من خلالها المبادئ العشر لمشروع ( الإسلام الحضاري ) كانت محاولة لخلق بيئة تحتضن المجتمع ثم تنطلق به للهدف المقصود. المجتمعات الإسلامية بحاجة إلى متخصصين لا متمردين, ولا هواة, والذي جعل كثير من المجتمعات الغربية تبدع بالمعرفة والتطوير هو إيجادها لبيئات جاذبة تستقطب من خلالها المتخصصين دون إغراق المجتمع وإستهلاكه بتغيير النمط الفكري السائد والذي سيتبدل تدريجياً عبر منافذ التطوير وليس عبر التغيير.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.