الطريق إلى التربية والتعليم
سبق أن كتبت عن السعودة، وأعود اليوم مرة أخرى وأؤكد أنها سلاح ذو حدين. لامعة وبراقة في جانب وفي جانب آخر مشكلة خطيرة. صار كثير من الناس يستخدم السعودة بمعنى إحلال السعودي مكان غير السعودي في الوظائف. هكذا خالية من الشروط. عملنا بهذه القاعدة سنوات. بعض الناس يطالب بالنقيضين. يريد أن يرى مواطنيه في كل الوظائف، لأنهم احق بها، ويريد أن يحصل على خدمة إدارية أو فنية على أعلى مستوى. قد يكون هذا ممكن في بعض الوظائف ولكنه لا يمكن أن يكون في كل الوظائف. لنأخذ وظيفة أستاذ جامعي. ليس كل من حمل شهادة عليا يكون كفؤا للعمل في التدريس الجامعي. وإذا كنا نشتكي من مخرجات التعليم الجامعي فقد يكون سبب هذه الشكوى السعودة نفسها. كل وظيفة في الدنيا يمكن أن يكون لها معايير. بعد تطبيق المعايير تكون بطاقة الأحوال مرجح. لا يمكن لأسباب عاطفية ننزلق في سوء إدارة ونعيش على خدمات رديئة. لتعرف معنى هذا الكلام تأمل في خدمات المرور. لك أن تعرف أن إدارة المرور تطبق السعودة الصارمة. جميع العاملين فيها سعوديون. هل أنت راض عنها؟
بعد تعيين سمو الأمير خالد الفيصل وزيرا للتربية والدعم السخي من خادم الحرمين لهذا القطاع الهام بل الأهم صار هذا القطاع محل اهتمام الإعلام والمثقفين.
تدور منذ سنوات نقاشات كثيرة عن مخرجات التعليم وعن المناهج وعن مستوى المدرس ولكن لا أحد ناقش كيف يدار هذا الجهاز الضخم وما هي خبرات مدرائه. صحيح ان المدرس هو من اهم مراحل التعليم ولكن لا يمكن أن ينتصر الجيش الذي يفتقد للإدارة الحقيقة مهما امتلك من جنود مدربين ومخلصين. إذا كانت المناهج مهمة ومستوى المدرس أيضا فالإدارة أهم منهما لأن الإدارة الجيدة هي أصل وجود المدرس الجيد والمنهج الجيد والمباني وغيرها من متطلبات التعليم. في ظني على الأقل الإخفاقات التي نعاني منها في مستوى المعلم والمنهج والفشل في تأمين مباني مناسبة والمشاكل الأخرى تعود إلى الإدارة. لحل مشكلة الإدارة علينا أن نعرف متى بدأت السعودة الصارمة في الجهاز الإداري. لم اسمع أن وزارة التربية تعاقدت مع خبراء أجانب أو مع مؤسسات تعليمية عالمية متخصصة أو أنها تعاقدت مع الخبير الفلاني. تنامى هذا الجهاز وتعقد بمعزل عن الخبرات العالمية.
اعتقد حان الوقت لإعادة النظر في إدارة هذه الوزارة لا في المعلم أو المناهج أو المباني وغيرها بل في الإدارة نفسها. وأن ننظر إليها بروح منفتحة خالية من ايدلوجيا السعودة. على أن تأتي السعودة تاليا. كما نشتري السبورة ونشتري الأقلام علينا أن نشتري الخبرة. يمكن أن نتعاون مع دول مع شركات مع منظمات يصممون لنا الهياكل ويعلموننا كيف ندير تعليمنا. علينا أن نختار نموذج نعمل على هديه كفنلندا أو كندا أو أستراليا ونتبناه وننسخه. ليس عيبا أن تقلد الآخرين ولكن العيب أن تسعى لاختراع العجلة من جديد. لا يمكن الاستمرار في كسب الخبرات بطريقة الصح والخطأ. تصلح هذه النظرية لو كنا نعيش في عصر المغامرة. كما حدث في أوروبا عندما كانت تتخبط تلتمس طريق التقدم. لا داعي نخسر سنين وأجيالا لنكتسب الخبرة وهي موجودة في السوق للبيع.
نحضر خبراء من الدول المتقدمة في مجال التعليم يصممون لنا المدارس ويصممون لنا المناهج يصممون لنا طرق تصميم المناهج. نطلب من كل مدرائنا أن يقفون أمامهم كتلاميذ بنظام المصاحبة. Counterpart كل مدير سعودي يشاركه مدير أجنبي. عندما يغادرون بعد كم سنة لا يتركون خلفهم كراسي أو طباشير وإنما يتركون نظاما تعليميا متكاملا في عقول مدرائنا. نكون كسبنا التعليم وحققنا السعودة الحقيقة لا السعودة العاطفية. وكل عام وانتم بألف خير.
نقلاً عن صحيفة "الرياض"