أعتقد أن شعر الرّد توقّد عبقرية
تتزاحم في عصرنا المُعقّد وأيامنا القاسية التي نعيشها الهموم والمشاكل الحياتية فيُصبح لزاما علينا، لضرورة البقاء، الترويح عن النفس وإجلاء صدأ القلوب التعبة بنوع من الشعر لا يوجد بإحكام إلا في جزيرة العرب، وهم شعر"المْراد" أو "القلطه" أو "المحاوره".
ومن انجذاب الجمهور إلى ذاك الفن أعطوه عدة أسماء، وبرز فيه شعراء أو "شِعّارْ" الذين كرسوا فنهم للبحث عن غريم يكون بذات المستوى. ولديهم قانون صلب ومتعارف عليه ويحترمونه بأن لا يخرج الموضوع عن نطاق الأدب وهيبة الوقار والحشمة.
وقد تتخذ المحاورة صُوراً وأشكالاً عديدة وأوزاناً وقوافي لا يعرفها إلا المحترف المُجيد.
المحاورة أو "الرّد" في رأيي أبعدت فن الشعر قليلاً عن ساحة الارتزاق. فهي تعتمد على براعة الشاعر وقدرته وخبرته في رؤية ما وراء حُجب الألغاز أو ما يسمى عند محبي شعر المحاورة "الغطو".
ويقود أحد الشاعرين الآخر إلى نوعية الغرض أو "المعنى" ومن هنا آتي إلى القول إن الشاعرين لا يعرفان الغرض الذي سينطرح مجالاً للمحاورة. حادث من حوادث التاريخ؟ موضوع شخصي؟ دعوى قديمة؟
أقول إن الفنون الشعرية عندنا، التي تفيض بها حياتنا الآن ليست كلها لغة بداوة ولا صحراء بل لغة استقرار. أو هي ظل لثقافة شعب ابتكرها كوسيلة للتعبير
يطغى الشعر- والشاهد الجنادرية على فعاليات المجتمعات الشرقية والعربية بالذات. ورأينا الأمسيات الشعرية بنوعيها الفصيح والشعبي تجتذب الحضور.
والجيل كما نرى يتطلع إلى عالم من المُثل، يلقيها رجل ذو قامة عريضة.. يحرك يديه ذات اليمين وذات الشمال، وهذا الفيض من الإبداع نعتز به دون شك. ونتعانق في رحابه. بدليل ترديدنا لمقاطع شعراء المحاورة أو "الرّد". وهي الطريقة الوحيدة في الأدب التي لا يرقى إليها الشاعر بالترشيح أو الواسطة بل لا بد أن تأتي شهرته عبر جمهوره الذي يرى جودته وعيوبه.
نقلاً عن صحيفة "الرياض"