أشوفك وين يا مهاجر

مها محمد الشريف
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

في أطروحة جون لوك عن الشخص والهوية وجدنا (أن ما يحدد هوية الشخص، ويجعله مطابقا لذاته ويحس أنه نفسه في مختلف الأزمنة والأمكنة، هو الوعي المصاحب دوما لأفعاله. وحينما يمتد هذا الوعي في الماضي يصبح ذاكرة، ما يجعل الذاكرة أيضا محدّدا أساسيا للهوية الشخصية).

لو قلنا هذه هي الحال بعد الهجرة من القرى والمحافظات الصغيرة ، لظل ذلك الغياب يعبر عن نفسه بضمير الغائب، ولاستمر مع كافة المراحل العمرية لأن الإنسان غامض في ذاته، ولن يفصح عن عالمه الخاص هروباً من قول الأنا، باعتباره المقصود في أحاديث الناس ، فتجد الغالبية العظمى تثبت ذاتها بموجب الجمع كنوع من التضخيم والخيلاء.

ولقد أثارت الهجرة من الأرياف إلى المدن دهشة كبيرة، وتساؤلات كثيرة سعيا خلف حياة اقتصادية متكاملة وقد تطرق محمد حسين هيكل في إحدى مقالاته إلى : (إن مشكلة الهجرة إلى المدن قد أُثيرت مرات عديدة وفي مناسبات وأسباب مختلفة؛ لأن هذه الهجرة ليست سببًا ولا أثرًا للأزمة الاقتصادية الأخيرة وحدها، لكن الرخاء غير الطبيعي الذي أعقب تلك الحقب كان من أكبر العوامل التي شجعت هذه الهجرة، والتي دعت مئات وألوفًا مِمَّنْ نشأوا هم وآباؤهم وأجدادهم في الريف وتعلَّق حبه بقلوبهم إلى هجرة الريف ومقاطعته مقاطعة تامة أو تكاد).

فالبحث عن جزء يسير من التغيير، وعن جودة الحياة المفقودة، قد يكلف الكثير للذين ضاقت صدورهم بتسلط الواقع ودكتاتورية الجمهور المتسلط، وباتت ضمن أطار نقاشات حادة تنتهي إلى الرحيل والهجرة، و باعتبار الإنسان يشترط وجوده على كمية الممكن المختبئة في صدره والحاجة الملحة له.

وكدت أنسى الرسالة التي تغير مسيرة المرء عندما يرتكب خطأ ما ، وكيف تذوب الأنا في ساحة الجماعة، إن في واقع الأخطاء يتجسد الهروب من الاعتراف كالهروب من الواقع تماما، لأن اقتراف الأخطاء أسوأ من الاعتراف بها، والزحزحة والتجاوز اللذان يعتمدان على المراوغة يحجزان الصور العقلانية إبان رؤيتها.

فالغاية العليا من مستويات التفاعل الداخلي ما هي إلا تكريس القيم في الشخصية العربية، ما يدل على أن التكوين برمته يعتمد على الدين وقلعة التاريخ المنيعة، التي تحتجز ممثلي سلطة المجتمع والأسرة.

وها قد مر وقت طويل على التعاقب الزمني دون تغيير في قرى وضواحي ومدن ومحافظات المناطق وهجرها وأوديتها، من أجل استكمال الحياة وحذف الاتيقا من الأعراف الأخلاقية السائدة،. التي فرضت تصريفها لجعل المكان قابلا للتعايش، فكانت المحرض الأكبر على النزوح، فأحيانا نسق الحياة الجديد يفرض الرغبة في إلغاء القديم .

كما يعمد الفرد من جهة أخرى في البحث عن قدرات إضافية تؤهله لصنع نفسه مرارا، ومنحه طاقة تستثمر سمات إنسانية لها تجارب مكتسبة ناجحة، مع استمرار تجاهل الظلام الذي تركه خلفه في قرى وهجر متناهية البعد والبؤس، فهو من جهة يبيّن نهاية تحصيل الجهد، إذ يمكنّه من نيل ما يطمح بمعاونه سكان المدينة.

نقلاً عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.