فيمَ يفيد الحذر إذن؟

مها محمد الشريف
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

إن بعض المجتمعات تحدد معايير لتطوير فترات نادرة من التاريخ وتحافظ عليها كمذهب يصل إلى التشدد ويعتبر نوعا من الوصاية تُمارس على المؤسسات والناس، وخداع هدفه النفوذ لإيقاف الزمن والتكنولوجيا وبالتالي مفهوم ينساق إلى تشويه النهج، وتصل سيطرته إلى نواح عديدة غير مؤكدة ولكنها مألوفة.

إذ ينبغي أن تعود الأشياء إلى جذورها كي لا تصطدم بحائط الفكر والثقافة الاجتماعية وماهية العصر الذي يوحد العلاقات ضمن روابط واضحة مهما كان دور الرأسمالية والابتكارات المثيرة والأعمال المصرفية والحالة الاقتصادية والتحسينات التي يفلسفها البعض برؤى غير منطقية.

فمن بين الأحداث التي نقلها إلى العربية رضوان السيد عن فيليب كورتن التحدي الأوروبي في عصور الإمبراطوريات، ابتدأ من الغزو الأوروبي للمكسيك والبيرو في القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر وقد كانت الثقافات الأمريكية والأوروبية على اتصال إحداهما بالأخرى داخل الإمبراطورية الأسبانية لحوالي ثلاثة قرون، فالشاهد في الموضوع أن الثقافات تتغير مع مرور الزمن.

نتيجة فكرة مفرطة في بساطتها تختص بالتغير في الثقافات الأمريكية - الهندية وتفيد بأنها تقبلت تدريجياً عناصر ثقافية من جيرانها الأوروبيين ضمن عملية يُطلق عليها التثاقف وهذا ما فعلته في بعض الأحيان.

إذن، الثقافات الأوروبية والأمريكية كانت تقتبس الأنماط الهندية في الوقت ذاته، ولذلك كانت الثقافتان تتغيران باستمرار، وليس لأسباب داخلية فقط وأعراق مختلطة وإنما للخليط الثقافي نفسه الذي حافظ على التاريخ القديم وانصهر في التاريخ الحديث بغية التعايش دون تحطيم المعتقدات العميقة.

فعلى غرار هذه المواجهة نستنتج أن فرض ثقافة على أخرى لا يأتي في سياق الغزو الثقافي بقدر ما هو خلط وتأثير ناتجان عن استقلال جزئي استطاع التكيف والتعديل، فمن مجموع ما تقدم من ملاحظات نستنتج أن أمتنا تكاد تكون أمة واحدة، وثمة انفصام بين الهوية والثقافة والقومية العربية ذات المفهوم الغائب بل ذات اللغز الغامض.

فعندما تفحص البنية الداخلية تجد الناس منقسمين بين التنظير والتجريب، وموضوعات أكثر جدلاً بين المتخصصين، ونقاش لا متناه حول قضايا كبيرة تعتبرها الشعوب مصيرية يُفترض فيها مراعاة تطور العلوم والعقول، وليس إلى خوف منظم وتشكيك يحثهم على كراهية واقعهم المتناقض.

فالخدعة الشائعة أن التطور شمل الفرد في العالم العربي بينما هو ساكن في قلب الإنسان القديم يحاول جاهداً إثبات غير ذلك، فيمثل هذا الإنسان أدوارا مزدوجة لا تكاد تخلو من حالات فصام مؤثرة، تحلّق في فضاءات مصممة لاحتواء سلبياتها بإتقان، وتنجح في إظهار إرادة لقلب كل المفاهيم التي حولها، فإذا اقتنع الناس بعجز ذلك الإنسان القديم عجزت معتقداته والمؤسسات الثقافية بمعيته.

لقد أوضحنا أن الأدوار الايجابية التي قامت بها تلك الدول الأكثر استقرارا وتطوراً، مجاراة العصر وتغير الثقافة حسب الزمن لكي تفسح المجال لاحتواء المسائل العرضية في جوهرها ومظهرها، وفق سياسة دقيقة تحفل بكل شيء، وإلا فيم يفيد الحذر إذن؟

نقلاً عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.