.
.
.
.

العالم أقل إنصافاً

مها محمد الشريف

نشر في: آخر تحديث:

منذ هجمات الحادي عشر من سبتمر عام 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية، بدأت حقوق الإنسان المعترف بها عالمياً بالتراجع، فلم يعد النموذج الواعد صالحاً، انتكست القوانين والتشريعات بدعوى الحرب على الإرهاب في بعض دول الاتحاد الأوروبي، وأوضح ذلك مؤلفو فخ العولمة في فصل من فصول الاعتداء على الديمقراطية والرفاهية.

فضلاً عن تراجع بعض الدول عن التحريم المطلق للتعذيب، وأخذت دول أخرى تتجاهل حظر إرسال الأشخاص إلى دول تمارس التعذيب، علاوة على ذلك تؤكد على أن العالم أبعد ما يكون عن تحقيق أهداف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، رؤية محبطة من مدير المعهد الألماني لحقوق الإنساني.

وهكذا، توقفت الضرورة وتخلصت من التجوهر والطابع النبيل والاستعمال الخيري المشروط في الخلفية الذهنية العالمية، ما جعل الانصهار والاختلاط بين الزهور والبارود متساوياً، ومعيار يخضع للفعل ورد الفعل والغرض والغاية، وقبور أينعت على أرضها الزهور ومآتم في كل ألأنحاء العربية، وكأن الزهور خُلقت للمظلومين فقط، بل أصبحت الحياة قطعة من جسد القدر تنتظر خائفة عجائب الدعاء.

لقد أشعل روسو رحى حرب فكرية في فرنسا وصلت أصداؤها إلى أوروبا كلها، انتقد فيها التيارات الدينية والفكرية والفلسفية والثقافية، وعمل على تفجير المغلق في الحياة وتزايد قلقه على مصير الجنس البشري.

فإذا شاءت أغلب الظروف أن تخيب ظن الضمائر فلن يكون المقتضى خسارة جزئية أو تضليل وعي بعض الأمم فقط وإنما مغالطات لا يمكن أن تُدرك، وعلاقة تتغاضى عن مشروعية وطيدة ومستقرة أسستها العصور السابقة، وقد تكبدت لأجلها خسائر فادحة لكي تتبنى كافة المفاهيم بوضوح ودقة ورؤى أعمق.

لم تعد القيم الإنسانية تحظى بالاستعراض ذاته في عالم السياسية والاقتصاد إطلاقاً، وفات الجماهير مشاهد كثيرة يصعب الصمود أمامها في حضرة المصائب والخسائر المتواترة والتي تعذر إصلاح الفجوة الكبيرة فيها بين المستحيل والممكن، ما أرغمها على تشكيل حلف يطارد مصالحها في كل مكان.

إنها تلك الدول التي تريد احتلال الذهن البشري بمقدار ما يؤثر في الإنسانية عامة، وحركة مخيفة تدعو إلى مقاومتها بنصف عقل.. فمن الصعب جداً أن تعيش في كهف مظلم وحولك الشمس مشرقة فإن تطلّب الأمر منك هروبا دون خيارات فاهرب - أهرب من معاناتك الشخصية ومن الصراع القائم بينك وبين القضايا الأخلاقية والإنسانية في العالم - التي تسمح لك بمشاهدة القتلى والرصاصات الطائشة التي تخترق صدور الأطفال وقراءة ملفات مثيرة من الواجب مكوثها في خزائن حديدية لفداحة ما سُجل فيها من خزي وعار.

إن معظم ما ذهب إليه روسو في بحثه "خطاب في أصل عدم المساواة " قبل أكثر من قرنين أكد أن العالم أصبح أقل إنصافاً اليوم مما كان عليه قبل قرن من الزمان، ورغم النمو الاقتصادي الملحوظ ورغم تحسن معايير الحياة في بعض المناطق، فإن الفقر لا يزال موجوداً والجريمة أضحت أكثر اتساعاً!.

نقلاً عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.