الإرهاب والحجاب
التداعيات التي أعقبت رأي الدكتور أحمد بن قاسم الغامدي بشأن الحجاب وظهوره مع زوجته في برنامج تلفزيوني وهي كاشفة الوجه تمثل أقرب وأصدق نموذج لأزمتنا المزمنة مع الفكر المتشدد الذي يصر على قيادة المجتمع وتشكيله وقولبته وفق مواصفاته، وأيضا عنف هذا الفكر وتهوره وتجاوزه كل الخطوط والضوابط عندما يختلف أحد معه أو يبين للناس أن هناك رأيا آخر يمكن الأخذ به طالما في الأمر فسحة، وطالما هي أمور خلافية واجتهادية. ها هو الدكتور الغامدي يتعرض لتصفية ثانية أشد من الأولى التي كان ثمنها وظيفته، فهذه المرة وصل الأمر حد التهديد بالقتل كما ذكر يوم أمس لهذه الصحيفة، إضافة إلى وصمه وأهله بأشد الألفاظ انحطاطا وبذاءة من أناس يحسبون أنفسهم على أهل العلم الشرعي والدعوة إلى الله.
لم يقم الدكتور بحملة يدعو فيها النساء إلى كشف وجوههن وإنما كان صادقا وأمينا وشجاعا مع نفسه عندما توصل إلى قناعة بجواز كشف الوجه للمرأة نتيجة بحث وتقص في آراء جمهور العلماء الغائبة عن الكثيرين من أجل فرض الرأي الواحد، وقد ناشد العلماء بتوضيح الحقائق للناس، وأكد أنهم يعرفون الحق لكنهم يخشون الملامة من بعض الفئات والأحزاب فيصمتون، وهذه والله كارثة كبرى لأن في ذلك سكوتا عن الحق لا يرضاه الله. وإذا كان ذلك يحدث في مسألة كالحجاب فكم من أمور أخرى أهم وأخطر لم يبادر أحد منهم إلى توضيح الآراء المختلفة حولها.
إن تغييب المجتمع الذي أشار إليه، والذي يمارسه من نصبوا أنفسهم أوصياء على المجتمع هو أس أكثر مشاكلنا وأخطرها، وهو الذي هيأ الساحة لانتشار فكر التطرف والغلو الذي أفرز لنا أسوأ منتج مثله الإرهاب الذي بدأ بنا وانتشر في بلاد غيرنا، مسيئا لمجتمعنا وللإسلام وأتباعه. وعندما يتم تهديد الدكتور الغامدي بالقتل لأنه قال رأيه في الحجاب كيف لنا أن نندهش أو نتعجب من الدموية التي وصلت إليها الوحوش التي تقطع الرؤوس كل يوم باسم الإسلام.
لقد فتحت هذه القضية ملفا في غاية الأهمية هو حجب الآراء المختلفة في بعض الأمور الشرعية، وسكوت بعض العلماء عن الجهر بالحقيقة، وهذا ما يجب أن يتصدر الاهتمام، وليس كشف الوجه من عدمه الذي علق عليه الدكتور الغامدي بقوله «العفة الحقيقية التي يجب أن يتشربها المجتمع تكمن في المبادئ والقيم وليس الحجاب كشكل ظاهري».
صدقت يا دكتور..
نقلاً عن صحيفة "عكاظ"