.
.
.
.

الحمّام العمومي كمدونة شخصية

محمد العباس

نشر في: آخر تحديث:

أول ما يباغت حواسك عندما تضطر إلى دخول حمام عمومي هو تلك الروائح الكريهة، ومشاهد القذارة الضاجة بالقبح. وما أن تتجاوز كل تلك المتوالية من الأذى الحسّي، حتى يرتطم بصرك بالجدران والأبواب الملطخة بكتابات فاحشة وبذيئة تدفعك للخروج من ذلك الخراب بأقصى سرعة ممكنة. وهو أمر غريزي، فالإنسان بطبعه يحب الفضاءات النظيفة الجميلة ولا يطيق القبح والقذارات ولو في حدّها الأدنى.

إن الكتابات التي تزدحم بها جدران الحمامات العمومية، لا تحيل إلى إنسان غاضب أو عاطفي مجروح، كما يحاول أن يصوّر ذاته من خلال الشعارات الرّنانة واللافتات الصاخبة، التي يستمد موحياتها من قاع الثقافة الشفاهية. بما فيها من تمجيد للساخطين والعاشقين والعصيانيين. وهي دلالة من دلالات المرض من الوجهة النفسية. ولا يمكن بحال أن تعكس شخصية بطولية أو أدبية. إذ يصعب تصور جدار حمام عمومي مزين بمقاطع من روائع المتنبي أو شكسبير.

هذه الكتابات الفارطة في البذاءة لا يختص بها مجتمع من المجتمعات. وهي معروفة تحت عنوان الكوبروغرافي Coprography وتعني قاموسياً الكتابة بالفضلات. وتنتشر في المناطق الأقل ثقافة. التي يؤدي فروضها كائن دوني اجتماعياً. كتعبير عن النتانة الذاتية والقذارة الأخلاقية. بحجة الكبت الجنسي. وهي كتابات انفعالية غير خاصعة لا للمنطق ولا للتهذيب الأدبي أو اللغوي.

ولا يتوقف الأمر عند إعلان رغبات الذات العاطفية أو التلويح بالشعارات السياسية، أو التشهير بشخص. بل تتحول تلك الجدران إلى منصة للإفصاح عن كراهية (الآخر) وتحقير معتقداته ورموزه. الأمر الذي يشير إلى ذات محتقنة ومأزومة تحاول الاستحواذ على الفضاء العمومي لتحوله إلى ملكية خاصة، أشبه ما تكون بسبورة للهذيانات. إلا أن ذلك كله لا يحدث بصورة منفتحة، بل ضمن طقس سري، تتداوله الذوات الفاشلة.

ومن يتأمل بعض جدران الحمّامات يجدها بالفعل كذلك. حيث يُلاحظ وجود ذات حمّامية كاتبة ترتاد حمّاماً بعينه لتكتب فيه بين آونة وأخرى. وكأنه مدّونة شخصية. وأحياناً تكون هناك مكاتبات من خلال تلك الجدران التي تتحول بفعل التراسل المتواطأ عليه إلى وسيط صامت. لتغدو تلك الصفحات الخرساء محلاً لتدوين شهادات الخيبة والتعصب والعنصرية والانهزام، فيما يمكن اعتباره دليلاً لأعراض مرضية قابلة للفحص والدراسة من الوجهتين النفسية والاجتماعية.

ولا يمكن تصنيف تلك الهلوسات الواعية واللاواعية ضمن فنون الغرافيتي Graffiti أي الكتابة والرسم على الجدران. التي تعتبر ظاهرة مدنية ومن أقدم الظواهر في تاريخ الجنس البشري. بما تجسّده من أفكار وتأريخ لأحداث وطقوس إنسانية ذات معنى. وتعكس تطور الحركة المجتمعية. سواء في جانبها العفوي أو المنظم. حيث تقدم صورة من صور الصراع الاجتماعي بإشارات ونصوص تحيل إلى ذات أكثر اتزاناً ووعياً ورهافة من الذات الحمّامية.

المدينة على عكس القرية هي فضاء عمومي. ويوجد فيها من المشتركات المعيشية ما لا يوجد في القرية. وبالتالي يمكن أن تنتج المدينة جُملة من الظواهر الجنونية والشاذة التي لا تخضع لرقابة أخلاق القرية. ومن هنا يمكن أن تكون الممتلكات العامة مستباحة للذوات المتحلّلة من حسّ المسؤولية، وإنتاج خطابها السري في الأماكن الخربة المهجورة الضيقة، للتعبير عن العصيان ورفض المكوّن المديني، الذي يمثل بالنسبة لها شكلاً من أشكال القمع والنفي. وفي هذه الحالة يكون الرد بتلك الكتابات الفارطة في البذاءة.

وهذا التعبير العصياني لا يخص الذكور فقط، بل يمتد إلى الذات الأنثوية، التي تتخفف من حالة الحياء الظاهري لتعبر عن انفجاراتها الحسّية بحرية مطلقة. وكأنها تحاول الخروج من بيت الطاعة الذكوري بخربشات تمنحها بعض القوة والتمرد على ما تعانيه من يأس وإحباط. وهي ظواهر مرقوبة وملاحظة في حمامات المدارس كأدلة على الشعور بالكبت والحرمان. وتشكل حقلاً خصباً لدراسة الحالة الشعورية للمراهقات. خصوصاً عندما تغيب القضايا الإنسانية الكبرى وتبقى الذات أسيرة الصراع مع نفسها.

نقلاً عن صحيفة اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.