هذا الكابوس..إلى متى؟
كتبت كثيراً في هذه الجريدة الموقرة، عن خوفي وعن وجلي على منطقتنا، وما يحاك لها من تشرذم وتقسيم، وذلك استقراءً ووفقاً لمخططات استعمارية قديمة من بينهما مخطط "سايكس اند بيكو" وما تلى ذلك من دسائس تأمرية..!! ثم ما رسمه برناند لويس "اليهودي" من تفتيتٍ شامل للمنطقة تمهيداً لإقامة إسرائيل الكبرى ثم ما رسمه هو على خارطته المشهورة من تقسيم خمس دول قريبة من اسرائيل إلى أربع عشرة دولة، حيث كلفته وزارة الدفاع الامريكية برسم هذه الخرائط، وتقديمها الى مستشار الأمن القومي بريجيسينكي وذلك عام ١٩٨٠ وهي ما تعرف اليوم بخارطة برنارد لويس وما تلى ذلك من احتلال العراق بحجة القضاء على أسلحة الدمار الشامل والتي قال عنها "بلير" رئيس وزراء بريطانيا آنذاك: إن بغداد تستطيع بصواريخها في خلال نصف ساعة تدمير لندن..! وقد تبين أنها نكتةً سياسية باردة هدفها الحقيقي هو تدخل القوى الغربية في العراق والذي عبرت الولايات المتحدة عنه بكل صراحة ووضوح من أن الهدف الرئيس منه هو تغير خارطة المنطقة حيث يتم ذلك من خلال استراتيجية تعتمد على البعثرة والإرباك أولاً، وهو ما سمته أمريكا "بالفوضي الخلاقة" معتمدة على إثارة النعرات الطائفية والقبلية والمناطقية، وخلق وتهيئة بيئة خصبة لهذا النوع من هذا النزاع والصراع ودعمة بالسلاح والمال، وإبراز عناصر ومكونات نشاطه. حيث تخلق وتصنع منه بؤراً للفتن ومفارز للإرهاب المنظم والمدبر.. تماماً كما هو الأمر الذي أصبح واضحاً وجلياً في حالة "داعش" هذا التنظيم المريب الذي برز فجأة ويمتلك ترسانة جبارة من السلاح ذي الفعالية الحديثة الفائقة في تقنيتها، كما يمتلك مليارات الدولارات، وآلاف الافراد المدربين بمهنية عالية.. كما يمتلك القدرة على التحرك والانتشار ليس في حدود جغرافيته التي نشأ فيها وإنما إلى بلدان أخرى وبنفس القوة والفعالية..!!
إن هذا التنظيم ببربريتة ووحشيتة وإساءته للعرب والمسلمين، هو من أجل اقناع المجتمع الدولي باستنزاف المنطقة وإرباكها وبعثرتها لفترة طويلة، ومن ثم إنهاكها ثم انهيارها، كي تكون جاهزة للتقسيم وهذا ما اشارت إليه كثيرٌ من تصريحات مسؤولين غربيين ولعل من أهمها ما نسب إلى "هليري كلنتون" من أن "داعش" هي صنيعة للاستخبارات الامريكية، من أجل تقسيم المنطقة.. وبصرف النظر عن مثل هذه التصريحات فإن واقع "داعش" وارتباطها بالاستخبارات الغربية لا يحتاج الى دليل فهو أوضح من أن يثار حوله جدل أو إثبات براهين.. إلا من قبل أولئك المكابرين وذوي الهوى والنزعة الغربية..
وكنت كتبت منذ أكثر ثلاثة عشر عاماً عن هذا الخطر الذي يحاك للمنطقة وقلت ان العرب اليوم يعيشون أسوأ حالات التخبط والفوضى، والضياع، فهم لا يدرون ماذا يفعلون، ولا يعرفون أين يذهبون، ولم يعودوا يصدقون أو يكذبون شيئاً، وإنما هم مذعنون يدفعهم تيار أهوج فيندفعون معه، وقد انتقض عليهم حبل إرادتهم، وأصبح أمرهم عليهم غمة.. فهم يصبحون على رأي، ويمسون على رأي، ويستيقظون على لا شيء..!! إلا ما تفرضه عليهم أوامر ونواهي واقعهم المؤلم المُر النكد وكأنهم قد أسلموا زمام حياتهم إلى سلسلة كوابيس مستحيلة النهاية.. فهم يُجزرون في مواقع كثيرة. تسيل دماؤهم، وتمزق أوصالهم، وتحتل أراضيهم، وتستلب خيراتهم، ويعبث بمقدراتهم، ويتحكم في أقدارهم.. ويتجرعون ما يتجرعون من الإهانة والأذى فيجررون في سرادب السياسة وأوهام الإعلام، وصوالين التدليس الفكري في صبر العاجزين وذلة المستصغِرين.
ولو سألت ما الذي سيفعلونه لمواجهة كل هذا الحيف والجور الواقع عليهم، لما أجابوك عن شيء فكل مشغول بنفسه يتوجس خيفة مما يخبؤه له غده.. خوفاً من قدر يكتسح أمامه كل حلم وطمأنينة..
هذا بكل وضوح وانكشاف وبلا مكابرة أو مواربة هو واقع العرب.. أما لماذا فتلك حكاية أخرى سيظل الجدل حولها قائماً إلى يوم يبعثون.. فهم رغماً عن ذلك كله لم يتمكنوا من تحديد مرضهم، ولم يتعرفوا بعد على أسباب مشكلتهم.. كل يصرخ بأعلى صوته مدعياً أنه يعرف السبب، وأنه لولا كذا ولولا كذا لما وقع لنا ما وقع.. ولو سألت أعظمهم عبقرية سياسية لما أجابك عن سبب ما حدث سابقاً، وما يحدث الآن، وما الذي سيحدث غداً..! والحقيقة أنهم مثلما هم ضعفاء عاجزون أمام التحديات وأمام قسوة أعدائهم، فإنهم عاجزون وقاصرون عن تحديد أسباب وهنهم، وضعفهم، وتداعي الأمم عليهم.. ولا أظن أن الأمر من الغموض والخفاء والاستتار أعظم أو أشد من أن يعرف. فالبهائم وهي البهائم تستكنه الخطر وتعرف دلائله فتتحاشى الوقوع فيه.. أما هم فلديهم ولع عجيب بالتخرص، والتكهن، وكثرة الجدل، والمصارعات الكلامية.
انظروا إلى مثقفيهم في القنوات الفضائية، وانظروا إلى هذا الهياج والضجيج والجعجعة والملاكمات اللفظية، بل انظروا إلى كثرة البذخ والكرم في الشتائم.. وإلى ما يتمتعون به من لياقة عالية في الصراخ والزعيق، فهم لا يمتلكون من أمرهم شيئاً إلا أن يتهم بعضهم بعضاً ويشتم بعضهم الآخر.. وحواراتهم لا ينقصها إلا التناوش بالأيدي، والرفس بالأرجل.. والسبب أن كلاً يرى أنه على حق وأنه يعرف العلة وأنه الوحيد القادر على تحديد الداء ومعرفة الدواء..
أمام كل هذا الارتباك والتهويم تبقى حقيقة ثابتة وهو أنك في النهاية تصغي إلى مهزلة جدلية لا تليق بالمعتوهين..!!
الغريب أن هذا يتم أمام حقائق ماثلة، ودلائل صارخة لا تحتاج إلى كثير فطنة وعظيم حكمة لتحديد القاتل، أو المغتصب، وسفّاك الدماء، فأنّات الجرحى، وصرخات الثكلى، وجلبة الدبابات والطائرات الغربية الصنع، الغربية التدبير والتخطيط، تدك أرضهم وتذبح أهلهم، لدرجة تحرك النخوة في الصنم..!! وتعيد المعتوه إلى رشده.. لكنهم يأبون إلا أن يكونوا كذلك.. يتخبطون في سياساتهم، يتخبطون في حواراتهم، يتخبطون في معارفهم، يتخبطون، في تحديد عدوهم.. يتخبطون في تحديد غدهم، في نهج حياتهم في الاعتقاد والفكر.. يتخبطون في صحوهم، وفي نومهم، وحلمهم.. وأعظم شيء يمكن أن يفعلوه إزاء ذلك كله هو أن يبحثوا عن "ملعون" مغيب فبدلاً من التعرف على عدوهم الذي يخطط لتفتيتهم وتحول بلدانهم الى قرى متصارعة يأكل بعضها بعضاً ويفني بعضها بعضاً.. فإن أهون شيءٍ عليهم أن يلعنوا التاريخ.
نقلاً عن صحيفة "الرياض"