ذكريات منتصف الليل
إن أحد كتاب تطوير الشخصية قال: في لحظات الليل تشتاق الذاكرة إلى الماضي والعقل الباطن يستجيب ويبدأ الخيال في عرض تلك الأحداث، ويكون التفاعل حسب أهميتها وقربها من الروح والقلب وتنزع عنها غطاء العناية رغم تعارضها أو انسجامها، فمنها المؤلمة التي تنتهي بالصلاة والتضرع والعمل على نسيانها، وأخرى لها صيغة رائعة تعيش الحاضر وعينها على الماضي.
فكل منا يستعيد ذكرى قديمة ليشعر في مجمل حياته أن هناك أسباباً تمنحه نعمة يؤمن بها وخصوصية وقدسية مميزة، ويمشي مختالاً وفي داخله ذكرى بل كنز لا يستطيع أن ينتزعه أحد منه مهما كان عظيماً أو كبيراً، ومهما كانت صلته أو قرابته، وبحكمة العقل الباطن يستطيع أن يخفي ويظهر ما يشاء بإرادته رغم الضعف أو رغم القوة، ورغم الخوف أيضاً، وقال فيسلوف وشاعر القرن التاسع عشر"رائف والدو إمرسون "(إفعل الشيء الذي تخشاه وبذلك يصبح موت الخوف مؤكداً) على الرغم من أن الذكريات لا يخافها أحد وإن أرعبتنا في حينها، وبذلك ندرك أنها سنة الحياة ونقلة آمنة إلى زمن الحاضر ومنه إلى المستقبل هو بحق سفر زمن إلى آخر.
فهل من المحتمل أن تسافر الأرواح وتنام الأجساد في مرقدها عبر الأحلام لمن تحب؟ أم سيظل وجود هذا الامتياز قيد الخلاف منذ خُلق البشر، ان الشيء الجميل حقاً ذكرى احتفى بها الإطار الزمني وصاغها سهواً غاية في سماء السعادة، ويرى ديكارت أن الذاكرة تكمن في ثنايا الجسم، أي الانطباعات التي تحدثها الأشياء الخارجية في الدماغ وتبقى بقاءها على لوحة التصوير، أي أن الذكريات تترك لها أثاراً في المخ كما تترك الذبذبات الصوتية على أسطوانة الإلكتروفون.
بينما يرى العالم البيولوجي تيودول ريبوفي كتابه"أمراض الذاكرة"أن الذاكرة ظاهرة بيولوجية الماهية سيكولوجية العرض، وتحفظ في خلايا القشرة الدماغية وتسترجع عندما تحدث إدراكات مماثلة لها، ومن غير الممكن إرجاع الذاكرة إلى عامل واحد لأنها عملية عقلية تتضافر فيها جملة من العوامل الذهنية والعضوية الاجتماعية، وبهذا فإن أساس الذكريات نتاج اجتماعي وبيولوجي معاً كما اعتقد علماء الأعصاب.
أما مبادرة الباحثين السوريين الذين باشروا العمل على مسح الذكريات السيئة واستخدام تقنية جديدة لدراسة ومعالجة الخلايا العصبية باستخدام الضوء والتي تعد الطريقة المعيارية لكشف وظائف الدماغ والتعرف على تخزين الذكريات، واستعادة الممحاة الضوئية في الجزأين"الحُصين واللوزة المخية" ودورهما الرئيسي في العمليات العاطفية وتكييف الذاكرة والتغلب على الخوف.
فيما كشفت دراسة حديثة عن الأحلام التي يراها الإنسان خلال النوم، تساعده على محو ونسيان التجارب العاطفية السيئة والذكريات المؤلمة التي ألمت به، وذلك من خلال دراسة أجريت على 35 شاباً وقياس مدى نشاط أمخاخهم باستخدام أشعة الرنين المغناطيسي خلال النوم، وأشارت هذه الدراسة التي أجراها باحثون من جامعة بيركلي بولاية كاليفورنيا الأميركية إلى أن المخ خلال إحدى مراحل النوم التي تعرف بمرحلة الأحلام أو حركة العين السريعة يقوم بإيقاف العمليات الحيوية الخاصة بالتوتر والضغوطات، ويقوم بإعادة هيكلة الذكريات السيئة والتخفيف من حدتها.
فإذا سارت الأمور على مايرام وخلقنا عاداتنا وذكرياتنا فإن هذا يعني أننا نستطيع الاختيار مابين قوة الخيال وتركيز الانتباه والأخذ بكل ماهو إيجابي فقانون العقل الباطن يشتمل على الإرغام والإجبار، ويندرج ذلك كله ضمن تمارين ذهنية، تستطيع الاحتفاظ بصور جميلة تعانق العاطفة وتنبض بها الروح.
*نقلاً عن صحيفة الرياض