مُثابرة الذّاكِرَة !
الإحساس بالمشكلة و الاعتراف بها ثُلُث الحل ، معرفة أسبابها ثُلُث ، و التّطبّب ثُلُث ، ..
أمر يبدو عجيباً و مريباً يحدث كثيراً ، و ربما دائماً ، خاصة للمُمبحرين قراءةً المتبحِّرين أسئلةً ، عُشّاقُ الدراياتِ ، أمرٌ يربكهم أمام أنفسهم و معها ، يتمثّل في اصطدامهم بحقائق تُخالف ما اعتادوا عليه ، تُناقِض و تَنْقُض مفاهيم سابقة و قناعات مُعتّقة ، نشأوا عليها و ظلّت ثابتةً في نفوسهم و عقولهم زمناً طويلاً لم يِحرِّكها شيء ، حتى تصنّمَت ! ، فجأةً و في طريق بحثهم الدائم يلتقون بدامغات حقائقٍ ناسفة غير آسفة ! ، للحظات يقبلون تلك الحقائق و ربما استمتعوا بقبولها ، لكنهم بعد وقت قصير ، من الصباح إلى المساء مثلاً ، يشعرون برفض داخلي لما ثبُت لهم من حقائق ، و غالباً ما يتقهقرون عائدين إلى طمأنينة القديم ، طاردين توتّراتهم من الجديد مستغلين غياب هيبته لافتقاده التاريخ و لامتلاكهم الرّغبة في الرفض ، يحاربون المُقْنِع بالمُقَنَّعِ ! ، لكن لذّة الانتصار تمدّ لسانها لهم هازئةً مؤكدة فرْط بُعدها ! ، يتحسرون لأن التجاهل ليس مثل الجهل لا شيمة و لا قيمة ! ، يكاد الواحد منهم أن يقول لقلبه : لن أستفتيك ثانيةً في أمرٍ ! ، كلّ مَرّةٍ تأتي مُرَّةً ! ، ..
بقي مثل هذا التناقض بين الذات و نفسها يُشكِّل تنغيصاً و تنقيصاً للإنسان ، إلى أن عَدَّه علماء النفس مُعضِلَةً و قرروا التعامل معه كحالة مَرَضيِّة غير مُرْضِيَة ، و كأن للذاكرة عقلٌ آخر غير عقل صاحبها ! ، عقل يغدر بعقل ! ، ظلّ تفسير الأمر شائكاً حتى ستِّينات القرن الماضي ، عندها توصّل علماء النفس لما يُمكن الإشارة إليه ، و أشاروا فكان مصطلح " مثابرة الذاكرة " ! ، مثابرة الذاكرة ظاهرةٌ يتكرر حدوثها كلّما مررنا بواقعة قديمة ثم ارتطمنا بحقيقة أنها غير حقيقية ! ، خاصّةً تلك الوقائع و المعلومات التي وصلتنا أول ما وصلتنا بقوّة عظيمة لا تقبل الرفض و التشكيك ، بعدها واصلنا تذكّر المعلومة و الواقعة بإيمان مطلق في حقيقتها ، يقول العلماء أن " الذاكرة المُبَرْهَنُ على كذبها تُثابِر في عقلنا و تمنع المعلومات المُصحّحة من الحلول محلّه " ! ، فالذاكرة و كلّما آمَنّا بحقها آمَنَت هي بواجباتها ، و من واجباتها البقاء ، و ليذهب يومنا و غدنا إلى الجحيم ! ، ما يهُمُّ الذاكرة البقاء في جنّتها ، و نحن جَنّتها حتى لو اكتوينا بنارها ! ، تجاه بعض الأمور ، يبدو أنه علينا قبول حرائق هائلة ، للتمكن من زراعة جُنَيْنةٍ صغيرة ! ، ..
و يا للجسارة التي نحتاجها لعبور الجِسر