.
.
.
.

كيف تقلع عن إدمان الإنترنت؟

د.عبد الرحمن الحبيب

نشر في: آخر تحديث:

«إنها مادة مخدّرة؛ إنها إدمان.. أتخيل أحياناً هاتفي الجوال يهتز في جيبي، مع أنه موجود داخل حقيبتي.. أشعر وكأني سأفتقد شيئاً ما إذا انتظرت لأتحقق من رسائلي النصّية، وبريدي الإلكتروني. أشعر بأمان، وبأني مرتبطة بهذا العالم عندما يكون هاتفي بجانبي.»

هذا ما قالته إحدى المشاركات في برنامج سنوي لتقليص استخدام الإلكترونيات المحمولة والهواتف الذكية لجامعة بكنيل.

كتب الإعلامي المعروف داود الشريان عبر حسابه على تويتر: «متابعي حسابي الأعزاء، يؤسفني إغلاق حسابي في تويتر». وأردف تغريدة أخرى: «تويتر أصبح يأخذ الكثير من وقتي وسوف أتواصل معكم قريبا عبر معاودة كتابة عامود أضعف الإيمان في جريدة الحياة». إذا كان الأمر سهلاً بالنسبة للشريان، فإن ألكساندرا دوويس، من مؤسسة مختصة لتقديم الاستشارات في هذا المجال، ترى أن الأمر «يتطلب الكثير من الانضباط للتراجع خطوة للخلف، وعدم السماح للتكنولوجيا بالسيطرة عليك.»

خاضت دوويس صراعاً للحفاظ على تركيزها عند أداء مهمة ما، ولتجنب عوامل التشتيت التي تسببها الرسائل الإلكترونية والأجهزة الرقمية الحديثة؛ فقد توقفت منذ فترة عن الاطلاع على بريدها الإلكتروني في ساعة الصباح الأولى بعد استيقاظها. وفي مكتب العمل، تحاول التركيز لساعة كاملة على مهمة واحدة من بين قائمة المهام اليومية، ثم تعطي نفسها مكافأة لعشر دقائق فقط لتصفح الإنترنت وعمل الردود (تقرير رونالد ألسوب).

يشكو بعض مستخدمي الإنترنت بأنهم صاروا ضحايا إدمانه، وبدأ يظهر قلق عام آخر، بأن المفرطين في استخدام الإنترنت أصبح من العسير عليهم التمييز بين عالمين: الافتراضي والواقعي، وأن حالتهم العاطفية والإدراكية تأثرت كثيراً. فبسبب التشتيت من الأجهزة الإلكترونية المحمولة والهواتف الذكية، يعاني بعضنا جهداً مريراً للحفاظ على التركيز في أداء المهمات سواء في المنزل أو قيادة السيارة أو أثناء العمل والاجتماعات الرسمية، بل حتى أثناء الأكل يحصل أخطاء انتقائية أثناء تناول الطعام. ليس هذا فحسب، فالدراسات أوضحت أن ردود أفعال سائقي المركبات أثناء استخدام الجوال هو بنفس بطء أولئك الواقعين تحت تأثير الكحول والمخدرات، وحتى عند استخدام الهاتف باليد بل بالسماعة فتظل المخاطرة موجودة (رولف دوبلي).

أكثر من هم عرضة لذلك هم الأشخاص الذين تترواح أعمارهم بين 15 و25 سنة. وغالباً ما يُسمى هؤلاء بـ»جيل المصابين باضطراب نقص الانتباه» (بي بي سي). هؤلاء مرتبطين أكثر، وبشكل محكم، بأجهزة الكمبيوتر والهواتف النقالة، ويتحققون باهتمام شديد وباستمرار من رسائل هواتفهم وبريدهم الإلكتروني، ويتصفحون مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت على مدار الساعة. أحد الأمثلة المتطرفة ما حصل لمدمن لعبة إكسبوكس، وهو شاب بريطاني عمره 20 عاما، مات بجلطة دموية بعد فترة لعب استمرت 12 ساعة (الإندبندنت).

لكي نتبين مدى انتشار الحالة فإن أكثر من 70 % من الأطفال الأمريكيين في سن 8 سنوات أو أقل استعملوا جهازاً نقالاً للقيام بنشاط ما في عام 2013، بينما كانت النسبة 38 % فقط في عام 2011، وذلك وفقا لإحصائيات منظمة «وسائل إعلام التفكير السليم». ووفقاً لمدير دراسات إدمان الحاسوب في مستشفى ماكلين جامعة هارفارد، فإن بين 5 % و 10 % من متصفحي الإنترنت يعانون شكلا من أشكال الاعتمادية (الإدمان) على الإنترنت.

أما في الشرق فالنسبة تقفز، ففي الصين ذكرت عصبة الشبيبة الشيوعية أن أكثر من 17 % من المواطنين الصينيين بين 13 و 17 سنة كانوا مدمنين على الإنترنت. وفي دراسة سانج وشانج بكوريا ظهر أن 18 % من مستخدمي الإنترنت هم مدمنو ألعاب. وكانت دراسات عام 2013م أظهرت أن السعوديين هم الأكثر استخداما لتويتر ويوتيوب على مستوى العالم قياساً بعدد السكان. وتحتل السعودية مركزاً علمياً متقدماً في معدل استخدام الانترنت عبر الهواتف الذكية (مركز جلوبل ويب إندكس للأبحاث).

لمواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة، فقد بدأ عدد من القطاعات بتبني سياسة عدم استخدام هذه الأجهزة الذكية أثناء الاجتماعات، والحد من استخدامها أثناء العمل. وقد ذكر ممثلون لنحو 75 % من الشركات التي تبنت نهج عدم استعمال أي جهاز إلكتروني (كمبيوتر أو هاتف) أثناء الاجتماعات، وما يقرب من 60 % من تلك التي قللت من دخول الموظفين إلى مواقع الإنترنت، أن هذه السياسات أثبتت فعّاليتها في الحد من تشتت تركيز موظفيها، حسب استطلاع للرأي أجراه معهد «هيومن كابيتال» 2014.

وفي كل عام، تدعو جامعة «بكنيل» في بنسلفانيا بالولايات المتحدة، طلابها وأعضاء هيئة التدريس، وكافة العاملين فيها، للمشاركة في مسابقة باسم «دانسينغ مايند» (أو الذهن الراقص)؛ وكل ما عليهم القيام به هو إغلاق أجهزة الكمبيوتر، وهواتفهم النقالة، ومواصلة القراءة بدون انقطاع لأربع أو ثماني ساعات. ورغم أن المشاركين أعربوا عن المشقّة التي لاقوها نتيجة إغلاقهم هذه الأجهزة، إلا أن العديد منهم وجد الأمر مريحاً ومنعشاً، على الأقل لفترة من الوقت. لكن ثمة قلة لم يستسيغوا النتيجة.. يبدو أن إدمانهم وصل لمستو متقدم، أو أن كثرة استخدامهم للأجهزة الذكية تناسبهم فعلا وتتلاءم مع ظروفهم.

إنما هناك من يرغب فعلاً في العلاج والتغيير، لكنهم «لا يرغبون في تغيير أنفسهم جوهرياً. وبدلاً من ذلك، يريدون وسائل خارجية لتساعدهم في ذلك.» كما قالت غلوريا مارك، أستاذة نظم المعلومات بجامعة كاليفورنيا. يتمثل العامل الخرجي في استخدام تطبيق تكنولوجي يمنع مؤقتاً محاولاتهم الاطلاع على بريدهم الإلكتروني، أو يحجب عنهم مؤقتاً مواقع التواصل الاجتماعي.

من يفتقد للانضباط الذاتي لمنع نفسه من الإفراط في استخدام النت فقد تجدي معه الضوابط في العمل، لدرجة أن بعض القطاعات منعت استخدامه في أوقات معينة او منعت استخدام بعض تطبيقاته، مثل منع استخدام البريد الإلكتروني الشخصي أثناء العمل كما فعلت شركة «أتوس» لخدمات تكنولوجيا المعلومات في فرنسا.

خلاصة الحل التي يمكن أخذها من الدراسات والكتب التي ظهرت بهذا الشأن هي في كلمة واحدة التنظيم: تحديد أوقات معينة للإنترنت؛ تحديد درجة أهمية الاستخدام (ضروري فوري، مهم يمكن إنجازه قريباً، عادي ينجز لاحقاً ..الخ)؛ تحديد الارتباط بالمواضيع المعروضة (قوي، عادي..) ودرجة أهمية المعلومات (مهم، تافه..)؛ وأخيراً تحديد الأمكنة المناسبة لاستخدام الإنترنت وليس أي مكان حتى لا تصطدم بجدار الواقع..

*نقلاً عن صحيفة الجزيرة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.