.
.
.
.

«داعش».. نحو إفناء الجنس البشري

أحمد الحناكي

نشر في: آخر تحديث:

أوضح التفجير الإجرامي في مسجد عسير لشهدائنا من قوات الطوارئ، أن «داعش» يستخدم سياسة الأرض المحروقة، أي أن كل جنس بشري هو هدف لهؤلاء المرضى. سبق أن حذر كثيرون من أن الاعتداءات الآثمة والتفجيرات التي طاولت شهداءنا في الدالوة والقديح والعنود وفي الحدود مع عسير لن تتوقف، ما دمنا لم نتفق جميعاً على قلب رجل واحد وامرأة واحدة؛ لنرفض هذا التطرف المميت.

السكوت على تغريدات أو إيماءات طائفية أو عنصرية يساعد «داعش» وغيره في أن ينفذ إلى عقول أولئك الصبية وينفث سمومه، ومن ثم استئصال هذا الشريان الفاسد يجب أن يتم من خلال الضرب على أوكار المحرضين مهما كانت مكانتهم، والمصطفى العظيم قالها: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، فما بالك بمن يبرر ويلفق ويحرض ويحشر أنفه في قضايا سياسية يريد فيها فرض تطرفه على دول أخرى بوصاية جبرية، وكأنما تلك الشعوب الشقيقة لا تفهم ما هو الصالح لأوطانها.

أكتب هذه المقالة في الوقت نفسه الذي يتقاتل فيه التنظيم المجرم مع الليبيين في سرت، إذ يقاوم سكان مدنيون وحشية هذا الغول الذي لا يستثني نساءً أو أطفالاً، بل القتل لمجرد القتل.

تساءلنا بما فيه الكفاية عن هذا التنظيم المريب، الذي يقع بين دول يفترض بأنها تبادله العداء الشديد، إلا أنه ومع ذلك يزداد قوة، ومن ثم لن نترك هذا يعوق كفاحنا نحن السعوديين على اعتبار أن جزءاً من أبنائنا ينخرطون في هذا التنظيم ويا للأسى، فمصيبتنا مصيبتان. فأبناؤنا يحرقون أكبادنا على أبنائنا.

كان من اللافت والمؤلم استطاعة المجرم الذي فجر في مسجد عسير بحزامه الناسف الذي يحوي المفجرات التسلل في منطقة تعج بالعسكريين، وبغض النظر عن كونه متنكراً، إلا أن دخول المتفجرات كان ثغرة أمنية، سبقها -كما نعرف- ما حدث في تفجير طال قائد الحدود الشهيد «البلوي» ومن معه من الشهداء، وقبل ذلك محاولة اغتيال الأمير محمد بن نايف، عندما كان مساعداً لوزير الداخلية.

لا أشك لحظة واحدة في كفاءة رجال الأمن البواسل، الذين قلَّموا الإرهاب وقزَّموه بضرباتهم الرائعة طوال الأعوام الماضية، إلا أن القضية -من وجهة نظر قابلة للخطأ- تتعلق بثقافة المجتمع، القائمة على المجاملة والمحسوبية والمراعاة والعادات فيما لا تصلح هذه المصطلحات في معركتنا مع عدو يستخدم كل شيء؛ ليخترق تحصيناتنا الإلكترونية أو العسكرية أو غيرها.

في زيارة لأميركا شهدت المفهوم الآخر للأمن، من خلال حدثين: أحدهما يخصني وزوجتي عندما طلبنا من الصيدلية دواءً كان لا يصرف إلا من خلال وصفة طبية، فاعتذر الصيدلي المسؤول، وعندما سألناه عن دواء مشابه وافق على ذلك، إلا أنه اشترط الرخصة، وحيث إن الرخصة سعودية طلب الجواز وحصل على معلومات منه، المهم أن القصة بأكملها تدور حول طبيعة العمل المنظم الاحترافي.

القصة الأخرى -والأهم بنظري- حدثت عندما تقدم رجل سائح متقدم بالسن ومعه زجاجة من الكحول ليشتريها، فقال البائع: أرني رخصتك فسلمه البطاقة ثم باع عليه الزجاجة، فقال السائح: لِمَ طلبت الرخصة، فقال: لأتأكد من أنك تجاوزت الـ21، فاندهش السائح متسائلاً: هل أبدو لك أقل من ذلك؟ فقال البائع: أعرف أنك فوق الستين، ولكنني أتقيد بالنظام الذي يجبرني على أن أطلع على تاريخ ميلاد المشتري. أي أنهم يتعاملون بالنظام وليس بالأحاسيس، ففي حالاتنا تحدث مخالفات وأخطاء كثيرة؛ بسبب أن الجناة يستخدمون ملابس نسائية أو ملابس عسكرية أو عن طريق الأطفال أو عن طريق معارف لا يعرفون مقاصدهم الشريرة. كل هذا يجب أن يبتر، وأنا على ثقة من أن المسؤولين الكبار سيقدرون هذا؛ لأنه في مصلحة الوطن ومصلحتهم شخصياً.

نعم، كل شيء وارد، وكل شيء ممكن أن يحدث، على رغم كل الاحتياطات، ولاسيما عندما يكون الخصم رجلاً مهووساً يقذف نفسه في أتون النار؛ ليحرق الناس معه، لكن علينا الاجتهاد وعمل اللازم.

كلمة أخيرة، أتمنى أن يتم التشديد على أئمة المساجد في أن يضاف إلى خطبهم في كل مرة شرح للفروقات الواضحة بين المسلم الملتزم وبين الدواعش، الذين يرون أن الإسلام هو ما يصنعونه، فلا تواني ولا تساهل مع أعداء الله والدين والوطن.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.