للشعور بالشيء لا للحُكْم عليه !

فهد عافت
فهد عافت
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة


هل القراءة لنعرف أكثر ؟

نعم ، لكن ذلك لا يخصّني و لا يصلح - أو لم يعد يصلح - عنواناً لحكايتي مع القراءة و فيها ،
فيما يخصني أجد ميلاً كبيراً ، متواصلاً و يتعاظم ، للقراءة ، ليس لأن القراءة تجعلني أعرف أكثر ، لكن لأنها تجعلني أحسُّ أعمق ، لستُ ديكارتيَّاً : هذا لا يحول دون تقديم تحية لديكارت ! ،
لا أظن أن المعرفة بحد ذاتها مفيدة و تحقق أماناً نفسياً كالذي يُظَنّ بها ! ، خاصةً لمن يرون أن نقيضها ليس الجهل ، و هو ما أراه ، و ما يتكشف لي كل يوم أكثر و أكثر ، نقيض المعرفة : عدم المعرفة ، نقيضها بَنَّاءٌ عظيم لها ! ، و هي لا تقود إلا إليه ، و تلك ميزتها ، ليس لها ميزة أكثر من هذه إن تعلّق الأمر بفخر و مباهاة ! ،
لتُمَجَّد المعرفة بكل الكلمات الخَيِّرة ، لا أعترض ، و لا بأس من حضور الحفل بثياب مناسبة ، لكن عدم المعرفة ليس قليل فائدة و لا هو خَطَرٌ مثلما يُظَنُّ بهِ ! ،
غياب الحِسّ و حضوره هما قُطبي الخطر و الأمان ، الخطر من النفس و الأمان بها ،
في الدِّين و الفن و الحب لم أجد طمأنينةً للعِلم العقلي المحض ، ذلك الذي يُنتج المعرفة بناء على شواهد ملموسة ، و يؤطرها في عبارات تعريفية قاطعة أو في معادلات رياضية ، وجدتُ الأمان في يقينيات القلب ، في الحِسّ ، في قدرته على كشط الكلمات و قراءة ما تحتها ، قراءة ما لا يُكتب ، أو ما كُتِبَ ليأخذني إلى ما لا يُكتَب للسموِّ الوافر فيه ! ،
للمعرفة ضروراتها لكني لم أعد متيقناً من وجوب إضافة " المُلِحّة " لهذه الضرورات ،
أقصى حدود المعرفة الرائعة هي ذاتها أقصى حدود اللا معرفة : تضارب الأفكار ! ، مع الاعتراف بأن تضارب الأفكار في حضرة المعرفة يُثمر صيداً أطيب و أسمن ، غير أن الأفكار تضاربت أم توافقت لا تُنتج حِسَّاً بالضرورة ، التأمل الشفيف ، الحر ، و المطلق ، قد يِثمر حِسّاً ، و قد ، بل بالتأكيد ، يُثمرهُ الحِسّ ، بوجود معلومات و أفكار و بدون وجودهما أيضاً ، و ربما بنفس النسبة ، لستُ متيقناً من حكاية النسبة هذه كثيراً ، الأمر بالنسبة لي كذلك لأنني أحسّه كذلك ! ،
و أعترف أنني في ورطة ، فأنا لم أصل إلى هذه القناعة دون ما أظنه عقلانيّة يعلم الله كم هي مُضنية ، شيء يصعب تفسيره : إعمال التفكير العقلي و الوصول إلى ضرورة تغييبه لصالح الحِسّ ! ، أتأمل فأُتمّ القول : معرفتي بوجود ورطة لا يكدر صفوي ، لكونها " معرفة " ! ، و لأنني لم أعد أُعطِ للمعرفة العقلية كبير اهتمام ، إيماني راسخ بأن للحِسّ عقلٌ آخر مختلف تماماً عن العقل المُشار إليه دائماً في مسألة العلوم و المعارف ! ، و الخلاصة أنني أقترب يوماً بعد آخر ، و عن طريق القراءة التي هي أشد الأصحاب مناصرةً ، من هجران الحُكْم على الأشياء لصالح الشعور بها !

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.