للشعور بالشيء لا للحُكْم عليه !
هل القراءة لنعرف أكثر ؟
نعم ، لكن ذلك لا يخصّني و لا يصلح - أو لم يعد يصلح - عنواناً لحكايتي مع القراءة و فيها ،
فيما يخصني أجد ميلاً كبيراً ، متواصلاً و يتعاظم ، للقراءة ، ليس لأن القراءة تجعلني أعرف أكثر ، لكن لأنها تجعلني أحسُّ أعمق ، لستُ ديكارتيَّاً : هذا لا يحول دون تقديم تحية لديكارت ! ،
لا أظن أن المعرفة بحد ذاتها مفيدة و تحقق أماناً نفسياً كالذي يُظَنّ بها ! ، خاصةً لمن يرون أن نقيضها ليس الجهل ، و هو ما أراه ، و ما يتكشف لي كل يوم أكثر و أكثر ، نقيض المعرفة : عدم المعرفة ، نقيضها بَنَّاءٌ عظيم لها ! ، و هي لا تقود إلا إليه ، و تلك ميزتها ، ليس لها ميزة أكثر من هذه إن تعلّق الأمر بفخر و مباهاة ! ،
لتُمَجَّد المعرفة بكل الكلمات الخَيِّرة ، لا أعترض ، و لا بأس من حضور الحفل بثياب مناسبة ، لكن عدم المعرفة ليس قليل فائدة و لا هو خَطَرٌ مثلما يُظَنُّ بهِ ! ،
غياب الحِسّ و حضوره هما قُطبي الخطر و الأمان ، الخطر من النفس و الأمان بها ،
في الدِّين و الفن و الحب لم أجد طمأنينةً للعِلم العقلي المحض ، ذلك الذي يُنتج المعرفة بناء على شواهد ملموسة ، و يؤطرها في عبارات تعريفية قاطعة أو في معادلات رياضية ، وجدتُ الأمان في يقينيات القلب ، في الحِسّ ، في قدرته على كشط الكلمات و قراءة ما تحتها ، قراءة ما لا يُكتب ، أو ما كُتِبَ ليأخذني إلى ما لا يُكتَب للسموِّ الوافر فيه ! ،
للمعرفة ضروراتها لكني لم أعد متيقناً من وجوب إضافة " المُلِحّة " لهذه الضرورات ،
أقصى حدود المعرفة الرائعة هي ذاتها أقصى حدود اللا معرفة : تضارب الأفكار ! ، مع الاعتراف بأن تضارب الأفكار في حضرة المعرفة يُثمر صيداً أطيب و أسمن ، غير أن الأفكار تضاربت أم توافقت لا تُنتج حِسَّاً بالضرورة ، التأمل الشفيف ، الحر ، و المطلق ، قد يِثمر حِسّاً ، و قد ، بل بالتأكيد ، يُثمرهُ الحِسّ ، بوجود معلومات و أفكار و بدون وجودهما أيضاً ، و ربما بنفس النسبة ، لستُ متيقناً من حكاية النسبة هذه كثيراً ، الأمر بالنسبة لي كذلك لأنني أحسّه كذلك ! ،
و أعترف أنني في ورطة ، فأنا لم أصل إلى هذه القناعة دون ما أظنه عقلانيّة يعلم الله كم هي مُضنية ، شيء يصعب تفسيره : إعمال التفكير العقلي و الوصول إلى ضرورة تغييبه لصالح الحِسّ ! ، أتأمل فأُتمّ القول : معرفتي بوجود ورطة لا يكدر صفوي ، لكونها " معرفة " ! ، و لأنني لم أعد أُعطِ للمعرفة العقلية كبير اهتمام ، إيماني راسخ بأن للحِسّ عقلٌ آخر مختلف تماماً عن العقل المُشار إليه دائماً في مسألة العلوم و المعارف ! ، و الخلاصة أنني أقترب يوماً بعد آخر ، و عن طريق القراءة التي هي أشد الأصحاب مناصرةً ، من هجران الحُكْم على الأشياء لصالح الشعور بها !