إظهارُ الموهبة.. شرطُ التحرر
"يبدأ الكائن الحق بالانخداع عندما تقل موهبته. عندما يكف عن إظهار ما يتقن".
ذلك ما يخبرنا به فريدريك نيتشه، ببصيرة الفيلسوف الذي خبر الحياة، وعرف مضمر خطاب أولئك المسيطرين على مفاصل القوة فيها. والذين يسعون عبر عملية احتيال معرفي وأخلاقي، لإحلال مفاهيم فوقية على من سواهم من الناس، لا لشيء إلا السيطرة على عقولهم، وتسيير أمورهم، والتحكم بمصائرهم، والإمساك بمقدراتهم المالية، وإضعاف نقاط القوة والغلبة لديهم.
جزء من هذه الخديعة الممارسة، هو دعوة العموم إلى التواضع، وألا يظهر الناس قوتهم ومهاراتهم، وأن يخفوا ما يمتلكون من مواهب، بحجة أن الكبر والغرور مرض أخلاقي، فيما التواضع منقبة ودليل على سمو المكانة ورفعتها.
قد يكون الكلام أعلاه صحيحا في عمومه، أو لنقل في ظاهر الخطاب الوعظي. إلا أنه في باطنه ينطوي على رغبة في "السيطرة" من قبل مطلقيه، ورغبة في ألا يكون هنالك قوي أو ماهر أو عالم، ينظر له الناس بإجلال وإكبار.
فظهور نماذج ناجحة وقوية، خارج سياق ذلك التيار الذي يروم الاستحواذ، يمثل خطرا على منظّريه، سواء أكانوا رجال دين ودعاة، أم سياسيين وأصحاب ميول حزبية.
إن الإنسان الماهر يمثل قدوة لمن هو سواه. وإظهار المهارة، سيعني أن مقارنة لا شعورية ستتم بين من يمتلك العلم، ومن يفتقده. ساعتها، سيبين عوار خطاب الدعاة المسيّسين وأصحاب النفوذ، وسيشعر حينها الناس أن بإمكانهم أن يحققوا ذواتهم دون الحاجة إلى الرجوع لتلك الحاضنة، التي يروج أصحابها أنه لا يمكن النجاة دونها، وكأنها سفينة نوح!.
هذه الطهرانية التي يسوقُ المحتالون من خلالها خطابهم، تنطوي أيضا على "احتقار الآخر"، ومحاولة إظهاره في صورة الصغير، الضعيف، الجاهل، الذي لا قيمة له في سعي من مدعيها لترسيخ ذواتهم المريضة، التي تعتقد واهمة أنها لا تستطيع أن تكون إلا عبر نفي الآخر، وسحقه، واعتلائه.
لذا، يعتبر نيتشه أن "الأخلاق السائدة" هي سلوك يدل على الضعف لا القوة، وتدلُ أيضا على "الانحطاط" كونها تمكّن الضعفاء من السيطرة على الأقوياء، وتجعل لهم منزلة عالية، يمارسون من خلالها سطوتهم.
إظهار الإنسان لما يُتقن، وفخرهُ بما يعلم، وتمكنه من القيام بمهامه بقوة عالية، هي شرط أساسي لتحقيق تلك الفردانية التي لا يريد لها أن تتحقق، قطاع واسع من الوعاظ الحركيين وأصحاب النفوذ الجشعين.
استمرار الانخداع، معناه استمرار لعبودية الفرد، وعدم انعتاقه، وديمومة لجمود العقل وركونه إلى الأجوبة الجاهزة، وبقائه تحت تأثير الخطابات المخاتلة والكاذبة، التي تلبس أردية مختلفة: أخلاقية، مذهبية، قبلية، مناطقية.. بحسب ما تحتمه المصلحة والمرحلة.
بالتأكيد، الغرور ليس هو المطلوب من أحدنا أن يرتدي جُبته؛ لأن الغرور خديعة للذات قبل أن يكون اعتداء على الآخر. ولكن، المطلوب هو التأكيد على الاعتزاز بذواتنا، وعدم الانتقاص منها، بل، إظهارها بكل ما تمتلك من حكمة وشجاعة وعلم وقوة، في أبهى حلة، لتشع كالشمس على النفوس الضعيفة، ولتحفز "الخراف" على أن تكون في يوم ما "أسودا"، لا تحكمها خطابات الخرافة والجهل والكراهية والمناقبية الزائفة!.
* نقلا عن "الرياض"