يا عمال العالم.. اتحدوا

أحمد الحناكي
أحمد الحناكي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

إلى ما قبل عقدين أو ثلاثة، وقبل انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 على يد غورباتشوف بنظريته البروستاريكية التي تعني إعادة البناء، كانت عبارة عنوان المقالة -أعلاه- أشهر من نار على علم، ولطالما تغنى شبيبة الشيوعيين بذلك الشعار الخالد، الذي أطلقه المنظر الأول للماركسية كارل ماركس ومعه فريدريك أنجلز عام 1848، من خلال البيان الشيوعي.

الحديث عن الشيوعية ذو شجون، إلا أننا لسنا بصدد هذا، فنحن من زاوية أخرى نتفق مع ماركس في وجوب هذا الاتحاد، إلا أن أسبابنا مختلفة عن أسبابه، وإن كانت تتضمن هدفاً واحداً هو إنصاف هذه الفئة المسحوقة في هذا العالم، ولاسيما في مناطقنا العربية.

في الخليج العربي ومن ضمنه المملكة يوجد ملايين من العمال، ذكوراً وإناثاً، وإن كان المقصود هنا طبقة البروليتاريا من قائدي السيارات والعاملات المنزليات، الذين يعيشون في أوضاع متفاوتة من الحسن والسيئ، إلا أن القليل هو من يحصل على حقوقه التي كفلتها له منظمات حقوق الإنسان أو العمال العالمية.

كنت في الرياض قبل أيام أتحدث مع صديق حميم لي عن السائق الذي كان موجوداً لدى والدته، فقال: لقد غادرنا بعد أن بلغ به السن مبلغه، ولاسيما بعد أن انتقلت والدتي لتسكن مع أختي، فأراد المغادرة ليقضي وقتاً مع أولاده وأحفاده الذي حرم منهم سنوات طويلة.

تحدثنا حينها عن هؤلاء الذين يقضون ردحاً من الزمن لدينا بما يعادل جزءاً كبيراً من أعمارهم، وبعضهم قد يمرض أو يموت وهو في الغربة، وأحياناً يموت أقرباؤه وهو بعيد عنهم. في مقابل كل هذا لا يجدون الإنصاف الذي يستحقونه، أو للأمانة أكثرهم لا يجد، فهناك من يتعالى عليهم، أو من يحتقرهم، أو يسيء إليهم، أو من لا يعطيهم حقهم المالي أو الإنساني.

قال صديقي بابتسامة حزينة: أتعرف يا صاحبي في الأيام الأخيرة وعندما ذهبت أمي إلى المستشفى بسيارة الطوارئ لأزمة أصابتها أمسك هذا السائق برأسه وجلس على عتبة المنزل يبكي كالطفل، فمعاملتها اللطيفة له أشعرته أنه أمام أم ثانية، فلا رئيس أو مرؤوس، هذا المنظر هو اختصار وتعبير وفِيٌّ عن حالات كثيرة جداً تحدث في مجتمعاتنا.

ما قاله صاحبي مر بي شخصياً، من خلال علاقة إنسانية عميقة بين والدتي والعاملة الفيليبينية التي تهتم بها، وقضت معها أكثر من 30 عاماً، ولا أخفي سراً أنني وأخي لا نستطيع أن نكون لها أكثر إيجابية من هذه المرأة، في ظل أن أمي تفتقد البنات، إلا أن أمي اعتبرتها الابنة التي لم تنجبها، والعاملة بالمقابل قدرت هذا الجانب، وعندما تسافر لتزور عائلتها تبكي الاثنتان كالأطفال. لنكن صرحاء مع أنفسنا، ونعترف أن ما يتقاضاه هؤلاء من عائد مادي لا يقارن أبداً بما يقدمونه من خدمات وافتقاد العائلة والوطن، وغير هذا وذاك ما قد يتعرضون له أو تعرض له بعضهم فعلاً من إساءات وتعذيب واعتداءات وتحرشات.

هل يا ترى هناك حلول أخرى نزيل بها همومنا النفسية، أو ضمائرنا المثقلة بما نشعر بهم من التقصير تجاه هذه الفئات؟

قد يرى بعضنا أن نقتدي بأوروبا وأميركا ونستغني عنهم، ولكن هناك تتوافر بدائل كثيرة نفتقر إليها، مثل: الحضانات، وأماكن الترفيه الآمنة من جهة، واستطاعة المرأة أن تقود سيارتها من جهة أخرى، ناهيك عن أن الانتقال إلى مجتمع منتج وغير اتكالي يحتاج إلى عقود أخرى تلي تلك العقود الغابرة.

على أي حال، قد يكون العنوان مخالفاً للنص، إلا أن الدول التي نستقدم منها العمال ذكوراً وإناثاً قد فاض بها الكيل، وأصبحت تفرض شروطاً تحفظ بها كرامة وحياة عمالتها، ولهم الحق قطعاً بذلك. هذا لا يكفي بطبيعة الأمر، فالكرة تقع علينا جميعاً؛ لكي نتفهم نفسياتهم وأوضاعهم، ولا أظن أن الابتسامة، والإنصاف، والتعامل الإنساني صعب لهذه الدرجة، فالقانون قد ينصفهم، إلا أنهم بحاجة إلى المعاملة الإنسانية أكثر.

من المؤلم، أو من الغرابة أن المبتعثين والمبتعثات العرب يأتون من الغرب وهم معجبون جداً بتعامل هذه المجتمعات، مع الاختلاف العرقي والديني والثقافي، بينما نعجز هنا عن ذلك.

*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.