مساكين أهل الستين

خالد صالح الفاضلي
خالد صالح الفاضلي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

تركض نحوي مسرعة السنة الخمسون من عمري، يفصلني عنها أشهر قليلة، وأرى في عيونها شررا وغضبا لأنني لم أفِ بوعودي لها لناحية تأثيث المكان بما يليق بها، فالسنين بعد الخمسين تأتي متطلبة، مدللة، تبحث عن حياة مخملية، هكذا هي السنين المتأخرة من العمر تأتي بعقلية طفل، تأتي لتلعب وليس لتشقى.
تملك عملة تحضر الأمم وجهان، الأول قدرتها على حماية الأطفال من العنف وضمان حياة تعليمية وصحية (حماية كيان الأسرة أحد الخطوات الخادمة لحماية الطفل)، بينما الوجه الثاني لذات العملة هو مقدرتها على ضمان كرامة حياة المسنين (أنظمة التقاعد والضمان الاجتماعي الجزء الأصغر، وربما الأكثر بدائية وتقليدية)، لذلك فإن استحضارك لصورتك في الستين من عمرك سوف يربكك، ولم تعد الجملة التفاؤلية القديمة (يا هني من عاش) تحمل ذات البياض والرضى.
يفتقد المجتمع - وبصدق - وجود نوايا واضحة، أو مشاريع على الأرض تمنحنا رغبة التمسك بالحياة عندما تدخل أجسادنا قبل أرواحنا مضمار الحياة بعد الستين، فمع التذكير بأن الأثرياء سيواجهون صعوبات أقل بكثير من الفقراء الكهول، إلا أنهم جميعا سيكتشفون بأن بلادنا غير مهيأة لاستقبال عواجيز جسد وروح، فبعد الستين يكتشف الإنسان أنه مولود مجددا في بيئة غير صالحة له، وأنه كما يقول الدارج من لغة الحلطمة (الواحد عايش غصب)، لذلك..
أكرر، لذلك، نحتاج مشروع دولة عريض وسريع لبناء أندية رعاية للمسنين «مجانية، أو باشترلات رمزية»، فتجربتنا في إيجاد سكن كانت صعبة رغم الراتب والشباب، ولأنهما لن يكونا متاحين بعد الستين فصعوبة إيجاد سكن تصبح استحالة أو بضمان إعالة أولادنا، (للتذكير إعالة مشتقة من كلمة عامية وهي نشبة) وغصة يشعر بها الكبار حتى لو سميناها بر والدين.
تهرب الوزارات المعنية من مسؤوليها تجاه المواطن المسن فيما إذا استمر البر بالوالدين حلا أوحد، فليس كل مسن له أولاد، وليس كل ابن مقتدرا على رعاية والديه تحت ضغط فاتورة إيجار منزلين، خاصة أن الجد أو الجدة لم يعد مرحبا بهما عند زوجات الأبناء، أو أزواج البنات، بينما هجرتنا في سن الشباب مبكرا إلى ديار الوظائف منح الأبناء قناعة بأن الوالد والوالدة مهمان فقط لمرحلتي الطفولة والمراهقة، فمن استغنى عن والديه من أجل وظيفة بسيطة وراتب صغير، سيتخلى عنهما من أجل حياة أوسع وأرغد، لذلك ..
أكرر، لذلك نترقب من الدولة ومؤسسات المجتمع المدني الشروع سريعا في بناء أندية وبيوت رعاية للمسنين، تمتلك أدوات تساعدهم على التمسك بلياقتهم الذهنية أولا، ثم الجسدية ثانيا، وتسعى إلى إحراق ملل ساعات يومهم بتسويق خبراتهم وإعادة بيعها، كأحد أدوات تسديد فواتير إقامتهم، وتغطية تكاليف معيشتهم وعلاجهم، وتساعدهم أيضا على تحقيق أمنية كل مسن لناحية أحسن الأعمال خواتمها. السؤال الأخير: ما هو تصورنا عن أندية المسنين؟ الجواب سهل جدا، بما أننا لم نصنع سيارات استوردناها، وبالتالي بما أن حضارتنا خالية من بيوت المسنين نستوردها.

*نقلاً عن "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.