عنف متخفٍ

هيفاء صفوق
هيفاء صفوق
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

نسأل مراراً وتكراراً.. لما انتشرت حالات العنف والقتل في الآونة الأخيرة، التي تعتبر غريبة على المجتمع، من حيث وجودها وتكرارها على فترات أحياناً متقاربة، وأحياناً متباعدة، لكنها في كل الأحوال حال غريبة لم يعتادها المجتمع، لذا لا نستطيع أن نطلق عليها ظاهرة، ولن ننتظر لأن تكون ظاهرة.

في الأسابيع الأخيرة، حدثت حالات عدة متقاربة في الفترة الزمنية، أربعيني يقتل والدته، وأب يقتل ابنه، وأبناء عمومة يقتلون ابن عمهم، والأكيد أن لكل حالة من هذه الحالات لها فرديتها ووضعها الخاص، لكن هذا يجعلنا نتساءل عن ماهية الأسباب الخفية خلف ذلك؟ وهل أسبابها متشابهة؟ هل الإدمان خلف ذلك؟ هل للعقوق دور في ذلك؟ هل المعاملة والتربية القاسية والعنيفة طرف في المعادلة؟

لماذا يتم بسهولة تغيير فكر الأفراد من المنظمات الإرهابية؟

هل الخلل في عدم احتواء المشكلات قبل أن تصبح واقعاً مأسوياً؟ هل أسرنا متماسكة حقاً، أم أصبحت شكلاً وصورةً، ما جعل الأبناء يعانون الفراغ المعنوي والفكري والروحي؟

هل مجتمعنا يعزز ثقافة الحوار وتقبل الآخر وثقافة التسامح؟

هل فعلاً يعاني أفراد المجتمع من الكبت والقمع، وعدم القدرة على إظهار مشاعره الداخلية بصراحة؟

هل دور التعليم والمؤسسات الدينية كانت إيجابية، أم أحد الأسباب التي أسهمت في الغلو والتطرف؟

حال العنف لن يكون بين يوم وليلة، هو حصيلة تراكمات انهزامية وذاتية سابقة لذلك، حتى تصل لمرحلة الفصل عن الواقع والتعدي عليه بأية وسيلة كانت، عنفاً أم قتلاً. ألم تحدث حالات قتل وقع ضحيتها أبناء صغار من أحد الوالدين، والمبرر كان لأجل تربيتهم وتهذيبهم يعاقب لدرجة الموت! وكيف يصل العقاب إلى هذه الدرجة؟ هنا نقف! ما هي الحال التي كان عليها المعتدي من غضب شديد، أو إسقاط ضغوطاته الشخصية على الأبناء، هل كانت طبيعية أم كان من الأساس يستخدم ذلك للتنفيس عن شيء غير متوازن في داخل نفسه، ولا نستطيع أن نجير كل حالات العنف في مجتمعنا على أنها حالة نفسية أو مريض نفسي. خلف كل عنف وجريمة أسئلة عدة، من المتسبب الحقيقي خلفها؟

لا بد أن نعترف أن لدينا خللاً أولاً في المنظومة الأسرية التي مازالت تعيش على سجيتها في إيقاع الحياة السريع، هذه الأسر اعتادت العيش على النمط التقليدي القديم في التربية من قسوة وضرب وتحقير أبنائهم، كجزء من التربية كما يعتقدون، مع عدم القدرة في فهم حياة اليوم، وما تجدد في مجتمع من وسائل التواصل المختلفة التي تبث كل يوم شيئاً جديداً ومغايراً عن معتقد هذه الأسر، شكّل حالاً مزدوجة بين الآباء والأبناء، ما نتج منه شخصية الأبناء المهزوزة من الداخل في عدم احترامها لنفسها والنظرة الدونية لذاتها، أو العكس أدت إلى بروز العدوانية والعنف والخروج عن المألوف في المجتمع، هذا ما ينتج الغضب والانفعال الشديد في أي موقف يحدث ويحصل، فكم من أصدقاء وزملاء وأقارب مارسوا العنف حتى وقعت جريمة ما، بسبب هذا الضغط النفسي غير المتوازن من الأساس.

هذا التصادم والتناقض والصراع من الممكن أن يؤدي إلى خلق الأمراض النفسية، والشخصية المضطربة.

كما أن سقوط بعض الأفراد في تنظيمات إرهابية بسهولة، يجعلنا ندرك هشاشة الفكر لدى الأبناء أو الأفراد، لم تكتسب أفكارهم جيداً القيم الإنسانية الصحيحة من ثقافة التسامح وقبول الآخر، أو لم يتعلموا مهارة التفكير والتحليل والتفسير، سواءً أكان في داخل الأسر نفسها، أم في المدارس التي - للأسف - مارست التلقين في بث الدروس بصورة عمياء، لم تعلّم الطالب التفكر والتأمل وتشغيل العقل، مثل ورش العمل الجماعية التي تساعدهم على استحضار قدرتهم الداخلية وإظهار مواهبهم الحقيقية، أو بنائهم بناءً معرفياً يزيد ثقتهم في أنفسهم، بل إنهم (الأسرة والمدرسة) قمعوا الأبناء في التعبير عن أبسط مشاعرهم في ما يرغبون أو لا يرغبون، أو حتى إذا ابتكر الطالب فهم طريقة جديدة في حل مسألة معينة قوبل بالرفض والهجوم، لماذا لم يتبع الطريقة التقليدية في حل تلك المسألة؟ وهناك أمثلة عدة.

كل ما ذكرت، توضيح الأسباب الخفية خلف سلوك وتصرفات الإنسان العدوانية أو الخانعة التي تأخذ دور الضحية، للتخلص من كل ذلك لا بد من الرجوع للقيم الإنسانية التي تحترم أولاً: كرامة الفرد في وسط بيئته وأسرته ومجتمعه، لأن ذلك هو الطريق الوحيد الذي يجعله يشعر أولاً باحترامه لذاته، ومن ثم احترامه لبيئته ومجتمعه ووطنه، ثانياً: احتواؤهم معنوياً وإشعارهم بالأمان والاستقرار، ثالثاً: تنمية القدرات الفكرية والعقلية من طريق مناهج تعتني في اكتشاف الذات وبواطن القوة فيها، لكي تكون مهارة موجودة لديهم منذ الصغر، هذا يكسبهم ثقةً وحضوراً أكثر في الحياة على الصعيد الشخصي والاجتماعي والمجتمعي والمهني فيما بعد، ما يجعلهم متوازنين نفسياً وفكرياً ومعنوياً وانفعالياً، ولن يقبلوا شيئاً أو يقدموا على شيء إلا بعد التفكير والتأني فتكون قراراتهم وانفعالاتهم واعية ومدركة.

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.