.
.
.
.

«إنها حال التحول»

محمد المختار الفال

نشر في: آخر تحديث:

عنوان هذه المقالة جملة من كلمة مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة خالد الفيصل في منتدى جدة الاقتصادي لهذا العام.

وهي تلخيص ورؤى «مكثفة» حول محطات بارزة من تاريخ هذه البلاد: مرحلة الشتات، صعاب التكوين، عقبات المسار، عبقرية القيادة، وتوصيف لطبيعة المرحلة التي تمر بها بلادنا، بل والمنطقة بكاملها، أو هكذا بدت للكثيرين ممن استمع إليها أو قرأها. وهي كلمة تدعو أهل هذا الوطن المهتمين بما يجري في الحاضر وتدبر تأثيره على المستقبل إلى التوقف، لما حوته من التذكير بما أنجز، والتحذير من عدم إدراك طبيعة المرحلة، وتجاهل ما تقتضيه من وعي وعمل.

ونعت الكلمة بأنها «تدعو للتوقف» لا يقصد به مبالغة فجةً، أو ثناءً مجانياً لا يليق بصاحب الكلمة، ولا يحتاجه ولا يريده وينقص من الثقة بالذي يناقش قضايا الوطن، وينشغل بإبراز إنجازاته الكبرى وتثمين جهود طاقاته الفعالة، ولا يتردد في الإشارة إلى حيث ينبغي الإصلاح، أو يجب تصحيح الأخطاء، بهدف استمرار المسيرة المظفرة، وتحفيز العقول القادرة على تحمل المسؤولية، والمضي بها حيث أراد البناة وتصدى - من بعدهم - الأبناء الأحفاد إلى شرف الأمانة.

والكلمة، بأسلوبها الشاعري المختصر ونظرتها المتأملة الفاحصة وصفت ما نحن فيه بأنه «حال تحول»، وأن التحول ظرف زماني لحركة حضارية يصنعها الإنسان أو تفرض عليه، وأن حال التحول تقوم على ثلاث ركائز: الثقافة، والاقتصاد، والإدارة، وأن لكل ركيزة قوامها وعناصرها ومكوناتها التي تعتمد عليها، وتجعل منها رافداً للنقلة الحضارية، «فالثقافة روح وفكر وسلوك؛ لأنها دين وتعلم وإعلام، والاقتصاد: مال وتجارة.. وهو عصب الحياة ومنطلق حضارة.. والإدارة رأس الأمر في كل صدد، فإذا صلح الرأس صلح الجسد».

وفي ومضات خاطفة أعادت الكلمة إلى الأذهان لقطات من مسيرة التحول الحضاري في بعض المجتمعات الحديثة، وضريبة التحول، وملامح النجاح والإخفاق، والانتقال من الهمجية البدائية إلى سطوة القوة الغاشمة؛ بسبب غياب شرط التوازن الذي يصدر عن الثقافة الروحية والسلوك الناتج عنها، ومن دون الدخول في المقارنات، سلطت الضوء – باعتزاز – على «المنجز الحضاري» في بلادنا على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن – رحمه الله - الذي كان «رجل الزمان والمكان.. جمع الأفراد والقبائل والإمارات.. فأسس دولة لها صولة وجولة». وأشارت الكلمة، بتركيز شديد، إلى محاولات الانحراف ومصادر التشويش على نهضة الوطن، لكن رؤية وحزم القيادة حفظت سلامة المسيرة، فاستتب الأمن، وساد الاستقرار، فجاءت الثروة، وتدفق المال، فاستثمر بعضه، وأهدر البعض.

وتنتهي الكلمة إلى: أننا نمر «أمام مرحلة تحول اجتماعي سريع وانقسام فكري مريع، ومع أن الغالبية تتمسك بالمبادئ الإسلامية القائمة على منهج الاعتدال والوسطية، إلا أنه على الشوائب والشذوذ تجتمع ضالتان.. فهذا تكفيري وهذا انحلالي، وكلاهما قاتل». وتدعو إلى الاستفادة من الدروس والتحذير من الغفلة والتهاون في التعامل مع الظرف بما يحقق التغلب على مصاعبه ومواجهة مخاطره «فلنفكر في الأمر بروية، ولتكن نظرتنا واقعية.. التحول بدأ.. والوضع الجديد نشأ».

2- هذه الكلمة «المحيطة» بالكثير من القضايا المفصلية، المنطلقة من رؤية تؤمن بأصالة قيم الأمة وسلامة المبادئ، التي قامت عليها هذه البلاد بروح ثقافتها المتسامحة المنفتحة على العالم، الآخذة بأسباب التطور والتقدم، والعمل على الاستفادة من المنجزات البشرية تستحق - في رأيي - أن تكون «مشروعا» في إطار رؤية التحول، تنعقد حوله لقاءات وندوات وورش عمل جادة، يشترك فيها المختصون في شتى مجالات التنمية، بمفهومها الواسع، والتخطيط للمستقبل ومواجهة الحاضر، بهدف مناقشة المضامين الأصيلة الواردة فيها وبلورة «برامج» ثقافية واقتصادية وإدارية تسهم، بشكل عملي، في حراك التحول الذي يتحدث عنه الإعلام ويشغل الناس ويتطلعون إلى معرفة أبعاده وخريطة تضاريسه وخطوط مساره المدني والثقافي.

إن صدور مثل هذه «الأطروحات» من كبار المسؤولين القريبين من أصحاب القرار، وتصورهم للواقع وتحدياته ومستلزماته، ونظرتهم إلى كيفية التعامل مع معطياته، يعطيها أهمية كبرى؛ لأن الاقتناع بتلك الأطروحات من المؤثرين في مسيرة الوطن يسهل تنفيذها على أرض الواقع، ويختصر زمن إيصالها إلى متخذ القرار، ويذلل العقبات.

والكلمة فيها الكثير من المحاور الرئسة التي تستدعي إبداء الرأي ومناقشة المقدمات والنتائج، لكني سأقتصر على الإشارة إلى بعض أفكارها الأبرز – من وجهة نظري – ولعل جملة عنوان هذه المقالة تأتي في مقدم الأبرز، إذ الحكم على الظرف الذي يمر بالوطن وما يجري فيه وحوله بأنه «حال تحول» صوت يوقظ الجميع، وينبه إلى أن الوطن «يتجاوز» آليات ومتطلبات مراحل ومحطات وأحوال عاشها في الماضي، وتعامل معها وفق ظروفها وملابساتها، وأنه يتجه إلى تلبس حال جديدة يعبر فيها «قنطرة التحول» في هذا الوقت، وأن شرط العبور الآمن، مع المحافظة على قيمه وقدراته ومكتسباته، هو إدراك أهله لهذا الواقع والتعامل معه بما يقتضيه، فالقول بأن ركائز التحول ثلاث: الثقافة، والاقتصاد، والإدارة، تصور يلخص فهماً معتبراً لدعائم الحضارة، في جانبيها الروحي والمادي، وكيفية «إدارتهما» وضبط العلاقة بينهما، بحيث يحتفظ الإنسان بالتوازن الروحي، والنفسي، والعقلي، حتى يظل مسؤولاً وقادراً على أداء رسالة «إعمار الأرض». والقول بأن الإدارة «رأس الأمر، وأن صلاح الرأس يقود إلى صلاح الجسد»، أمر بالغ الأهمية لمجتمعنا في هذا الظرف الذي يكثر فيه الحديث عن الخلل الإداري في الكثير من مؤسسات الدولة والمجتمع، وانتشار الفساد المالي، وانخفاض الإنتاجية، وتراجع التجويد والإتقان في مشاريع التنمية، وشيوع التهاون في أداء الواجب، واستغلال الوظيفة للمصالح الشخصية، وكلها أخطار وأخطاء إدارية، فإذا أدرك الجميع أن «صلاح الإدارة» شرط لسلامة مسيرة التنمية، يصبح التفريط في توفير أسباب إصلاحها تفريطاً في وسائل وشروط التحول السليم.

أعتقد أن الكلمة فيها الكثير مما يستحق المناقشة ويثري الحوار في هذه المرحلة، التي نحتاج فيها إلى المكاشفات المعِينة على التخلص من كل ما يعوق مسيرة الوطن.


*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.