.
.
.
.

"تهنيد" معاهد سعودية!

محمد اليامي

نشر في: آخر تحديث:

لم يعد السعوديون يثقون بقرارات السعودة الصادرة عن وزارة العمل، هكذا يثبت التاريخ، وهكذا تقول التجربة، وما السخرية التي استقبل بها خبر قصر العمل في بيع وصيانة الهاتف الجوال على السعوديين، الذي صدر قبل أيام، سوى مؤشر إلى ذلك.

قررت الوزارة أكثر من مرة قصر العمل في نشاطات محددة على السعوديين، سيارات الأجرة، أسواق الخضار، بعض قطاعات التجزئة، والذهب والمجوهرات، وغيرها، ولم تنفذ القرارات على أرض الواقع، وفي أحسن الأحول نفذت أشهراً ثم تداعت بضغط من ضعف الرقابة، وبعض الفساد، وعدم التزام السعوديين أنفسهم بأن يحلوا فعلياً، وليس صورياً محل الأجانب في هذه المهن.

اليوم أتوقع التطبيق الصارم، لسبب بسيط هو أن الوزارات ذات العلاقة بالاقتصاد والتنمية يشملها اليوم مجلس يترأسه ولي ولي العهد، وهو مجلس يسعى إلى تكاملية العمل وجديته، وصرامة تطبيقه، وسيكون أداء أو قرار أي وزارة في «وجه» هذا المجلس، كما نقول في المحكية السعودية.

من تندروا بالقرار، ومن يحاولون إحباطه يرتكزون على عدم وجود سعوديين مؤهلين لصيانة الجوالات، وهذا غير صحيح، إذ يوجد سعوديون وسعوديات كثر يمكنهم العمل بسهولة، وهم موجودون على أرض الواقع.

هناك سعوديون يقومون بصيانة أنظمة وإلكترونيات متقدمة جداً، نعرفهم في قطاعات كثيرة، وشركات أكثر، ولإعطاء المثال، كي لا يكون الحديث نظرياً أو عاطفياً، فشباننا، وقليل من شاباتنا، يصونون الأنظمة في مركز المعلومات الوطني، وفي القطاعات العسكرية، وفي «أرامكو»، والإلكترونيات المتقدمة، والكهرباء، وكثير من المؤسسات المالية، ولن يعجزهم هاتف جوال.

ليعترف بعض السعوديين أنهم لا يعتدون بأبنائهم، ليس فقط على مستوى الناس، بل حتى أحياناً على مستويات وزارية، فقد سجلت وزارة العمل نفسها في مرحلة ما وجود فريق استشاري جله من غير السعوديين، وأظهرت أرقام أعلنت فواتير الاستشارات الحكومية بدفع البلايين لمستشارين أجانب يستقون معظم ما يقدمونه من أفكار من عقول سعودية خبيرة في قطاعاتها.

وعوداً على هذا القرار «الصغير»، فالثغرات كثيرة، ولو وضعت نفسي مكان أجنبي يعمل في القطاع، أو سعودي يمارس التستر على أجانب لديه، لغيرت السجل التجاري واللوحة من صيانة الهاتف إلى صيانة الحاسب، واستقبلت الأجهزة من تحت الطاولة!

الأعمال التقنية من أسهل ما يمكن سعودته، فالتقنيات الحديثة شغف لدى الأجيال الجديدة، لكننا لم نحسن الاستعداد لذلك، وكانت مؤسسات التعليم ضعيفة، ولدينا، بل لدى العالم، تجربة رائدة يمكننا استنساخها بالكامل، هي المعاهد الهندية للتكنولوجيا الشهيرة باسم «IIM»، فإذا كنا نريد سعودة الأعمال التقنية فعلينا «هنددة» أو «تهنيد» معاهد التعليم الفني والتدريب التقني، فخريجو المعاهد الهندية يشغلون نصف وظائف وادي السيليكون في الولايات المتحدة، وهم بجدارة يشغلون غالبية وظائف تقنية المعلومات في الشركات حول العالم، بما فيها الشركات السعودية.

لقد كانت هذه المعاهد قراراً هندياً إستراتيجياً تلا الاستقلال مباشرة، ومنذ عقود وهي تخرج لنفسها وللعالم عقولاً مميزة ومدربة حققت نقلات اجتماعية واقتصادية لشريحة واسعة في المجتمع الهندي، فلم لا نستوردها كما نستقدم مخرجاتها؟

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.