سعودة الموائد الرسمية!
في قرغيزستان الكثير من العادات والتقاليد الجميلة، حيث تمتد على سبيل المثال الضيافة على الوجبات إلى ثلاث ساعات، ومن عاداتهم تقديم الأطباق بالترتيب حيث لا تطرح جميعها أمامك دفعة واحدة، كما يبلغ الكرم لديهم ذروته حينما يقدمون لك في نهاية الوجبة كمية كبيرة من اللحم تأكل منها ما تستطيع ثم يحملونك الباقي من اللحم تأخذه معك إلى البيت.. ولا تملك رفضه حتى لا يفهم مضيفك أن الطعام لم يعجبك!.. ولك أن تتخيل وفداً رسمياً عائدا إلى الفندق وكل منهم يحمل "كيس لحم"!
ولا جديد أن الدول تتنافس فيما بينها بأطباقها المحلية وتقديم موائدها، ويتحول الغداء الرسمي للضيف الأجنبي إلى مادة تاريخ يسرد فيها المضيف تاريخ كل طبق وأصله ومكوناته، وغالباً لا ينسى الزوار تجربتهم لأنها فريدة ولا تتكرر في أي بلد آخر، حيث لكل بلد طبقه الخاص ونكهته الخاصة.
وخلافاً لهذا التنافس الجميل تغيب عن موائدنا الرسمية أكلاتنا الشعبية أو تحضر بخجل واضح، ونقدم لضيوفنا أطباقا ليست منا ولا تمت إلى مطبخنا لا من نجد ولا من حجاز، بل إننا نقدم بتباه غريب "الحمص وأسياخ الكباب" لضيوفنا الشوام، و"الاستيك نصف الاستواء" لضيوفنا الغربيين! وكأننا نستفزهم أو نعلن إفلاس مطابخنا من أي أطباق يمكن أن تقدم للضيوف الأجانب، وهذا بلا شك غير صحيح حيث لدينا التنوع والتميز الذي أجزم أنه لا يوجد في كل مطابخ العالم، لكننا وللأسف استهوينا العقوق واستحالت أكلاتنا الشعبية إلى "صور تراثية" نستعرضها أمام ضيوفنا دون أن نقدمها لهم.
لاحظنا مؤخرا بعض الضيوف الذين يزورون "البجيري" وانتشار تداول صورهم وهم يتناولون بعض الأطباق الشعبية واحتفاء الجمهور بهذه الصور، وتداولها على نطاق واسع مثل صورة ولي عهد الدنمارك وهو يتناول باستمتاع طبق "القرصان".
الأكلات الشعبية تعكس ثقافتنا ومنتجات بيئتنا، وتبعث رسالة تمسكنا واعتزازنا بها، ولمجلس الوزراء قرار (1429ه) يلزم كافة الجهات الحكومية بأن "تكون الهدايا من المنتجات الحرفية الوطنية"، فلماذا لا نقترح قرارا مماثلا يقدم المطبخ السعودي من جديد، ويعيد إليه الحياة؟ كما هي حال المنتجات الحرفية الوطنية التي انتعشت وعادت لها الحياة بهذا القرار الوطني الشجاع؟!
وتطبيق الاقتراح بلا شك سيحيل هذا القطاع إلى قطاع اقتصادي مربح ومشغل للكثير من الأسر المنتجة والمشروعات الصغيرة، وعبر تطبيقه تدريجياً سنكون شغلنا آلاف الأسر بشكل احترافي وأسسنا للبنية التحتية لهذا الاستثمار ليكون "سمننا في دقيقنا".
*نقلاً عن "الرياض"