الطودُ الذي بقي وفياً لمبادئه!
هنالك على الشارع الممتد بطول زرقة البحر في مدينة "أصيلة" شمال المغرب، ثمة منزل مطليٌ باللون الأبيض، من طبقة واحدة، ومدخل منخفض، جلسنا في الباحة على مقاعد بسيطة، نستمع إلى "سي الهاشمي"، الرجل الذي رغم التجارب الصعبة التي مر بها، والمرض وكبر السن، لا تفارق البسمة محياه، وتنساب منه الأحاديث والقصص والأحداث التاريخية، بدفق لا يتوقف، وكأن المشهد أمامه كما هو، لم تكسر ذاكرته السنوات، ولم يعله غبارها.
كنت والصديق هاني نقشبندي، نتنقل بين أزقة "أصيلة" ومقاهيها، وبعدها إلى السيد الهاشمي الطود، الذي يعتبر أحد الرموز التاريخية للحركة التحررية في شمال إفريقيا عامة، وفي المغرب خاصة. وهو الرجل الذي خرج في سن مبكرة، وعمره نحو 17 عاما، متوجها مشيا على الأقدام من مدينة "القصر الكبير" نحو القاهرة، ليلتحق بالإمام عبدالكريم الخطابي، الذي قاد "المقاومة" في الريف المغربي ضد الاستعمارين الفرنسي والإسباني، وتحول إلى أيقونة وزعيم سياسي تجاوز تأثيره حدود الجغرافيا المغربية.
الطود الذي تعرف في القاهرة على الخطابي، ذهب إلى القتال في فلسطين وهو دون العشرين من عمره، ضمن ركب المتطوعين العرب، قبل أن يعود ثانية إلى القاهرة، ويصبح من المقربين الخلص للإمام الخطابي، الذي وثق في الطود وأعجب بنجابته وإخلاصه وشدة التزامه بما يؤمن به.
قبل نحو 6 أعوام، سجلت مع سي الهاشمي وعلى مدى 3 أيام، ساعات عدة، سرد فيها تاريخ المغرب من خلال تاريخه الشخصي، ودوره في التواصل مع الحركة التحررية التي كانت وقتها في تونس والمغرب والجزائر، وتنقلاته بين هذه الدول، والمعسكرات والدورات التدريبية التي شارك فيها، والشخصيات التي أضحى أكثرها فيما بعد زعماء ورؤساء في بلدانهم، وصولا إلى العلاقة المعقدة التي ربطته بالنظام في المغرب، والرسالة التي كتبها إلى الملك الراحل الحسن الثاني.
لم يكن سرد الهاشمي من النوع الذي يشبه حكايا الجدات أو الشيوخ الكبار. بل كان حديث المحقق التاريخي الفاحص، العارف بما يقول. وكان في أحيان كثيرة يخرج لنا الوثائق التي بين يديه ويستشهد بها، أو يأخذنا بين الصور التي تزين جدران المنزل، ويحكي قصتها واحدة تلو الأخرى.
أذكر ذات مرة، أنه كان يتحدث عن العلاقة بين الحركات التحررية في المغرب وتونس. وقتها، صمت، وخنقته عبرة، وبكي. وقال: لا أستطيع أن أكمل. أنتم لا تعرفون عن أي أناس أتحدث.
كان ابن مدينة "القصر الكبير" والضابط السابق في القوات المسلحة المغربية، والتي خدم فيها أستاذا في المدرسة العسكرية في مكناس، وقبلها ضابطا لنحو 10 سنوات في مدينة "بني ملال"، كان زاهدا في المناصب، غير آبه بالسلطات، وهو الذي كان بإمكانه أن يتبوأ أعلى الرتب، ويكون في مصاف أقرانه، إلا أنه اكتفى بأن يكون مواطنا صالحا، وكفى!.
آخر مرة رأيت فيها سي الهاشمي، كانت في القطار، وكنت عائدا مع زوجتي من مدينة فاس، ليدور حديث طويلٌ، كان فيه الطود منزعجا من المصير الذي لقيه الرئيس المصري حسني مبارك، معتبرا أن الأخير رغم ما لديه من سلبيات، إلا أنه لا يصح أن "يُهان" بهذا الشكل، فهو "ابن المؤسسة العسكرية".
رغم حسه "الثوري" الذي لا يخفيه عن أحد، كان سي الهاشمي حكيما، عاقلا وهادئا، صاحب بصيرة في قراءة المشهد السياسي والأمني. وأذكر أنه في ذات اللقاء أبدى عدم سعادته بـ"الربيع العربي"، وأنه يتوقع له أن يزيد من المشكلات في الشرق الأوسط، دون أن يعمل على تحقيق طموحات الناس، وهو بالفعل ما حصل.
هذه النوع من الشخصيات الصلبة، التي تحمل هما إصلاحيا وتحرريا تجاه أوطانها، والتي تمتلك منطقا في الحديث لا يعرف النفاق، ويعتمد على الصدق والولاء الشديد للوطن، دون غيره. هذا النوع من الأيقونات أصبح شحيحا في الوطن العربي، الذي يطوي صفحات هذه الشخصيات واحدة تلو الأخرى، دون أن يجود بمثلها أو أحسن منها!.
* نقلا عن "الرياض"