.
.
.
.

حدود النخل والأثل

سارة الرشيدان

نشر في: آخر تحديث:

الساعة الثامنة والنصف يوم الأربعاء قبل عشرة أيام انطلقت رحلة (صبايا_tour) المرخصة من هيئة السياحة من الرياض، متجهة إلى منطقة القصيم التي وصلناها قبيل الواحدة ظهرا وبقينا فيها أربعة أيام. المميز في هذه الرحلة أنها تمثل تحديا في عدة مجالات، ففيها تحقق نجاح رحلة نسائية، ونجاح للسياحة الداخلية المتمثلة في جانبين، سياحة مهرجانات ومزارع، وسياحة تراثية لأماكن تاريخية قديمة وحديثة. وسأختار أن أشير إلى مدن شملتها الزيارة وهي بريدة، وعنيزة، والبكيرية، والمذنب، وعيون الجواء. ولأبدأ بمعلم في بريدة هو مركز حرفة النسائي، الذي تشرف عليه الأميرة نورة بنت محمد، وتأسس قبل سنوات حينما كان أمير الرياض الأمير فيصل بن بندر أميرا للقصيم.
هذا المركز يدعم الأسر المنتجة بشكل مميز، تعرفنا فيه على أشكال الدعم المختلفة، ومنها تقديم المساعدة المتمثلة في القروض، واستخراج التصاريح للإنتاج، والتدريب في المجال الذي تحتاجه الأسرة، وهو مركز موجه للنساء العاملات في منازلهن؛ حيث يقوم المركز أيضا بعمليات تغليف، وتسويق، وإعداد المنتجات التي تصل إليه، كما يقوم بأعمال الخياطة، وإكمال القطع الفنية اليدوية وتحويلها من خامة إلى منتج للتسويق كحقيبة أو ما شابه ذلك.
مما يشد في هذا المركز، محافظته على التقاليد في منتجاته كخلطة الكليجا الأصلية، وتسميات المنتجات المغلفة كـ"الشعثة" وهي التمر المغلف بالإقط.
مهرجان بريدة مزار عظيم يستحق الزيارة بما فيه من خيل، وطيران محلق في استعراضات مميزة، وأسر منتجة، وعروض السيارات والحيوانات النادرة، مع مروض الأسود الذي يتعامل معها بحب وتبادله الحب.
أما في عنيزة فستردد مع المرشد السياحي "هذي عنيزة ما نبيعه بالزهيد"، ومن يزهد بباريس نجد في مهرجان الغضا الذي استقبلتنا فيه نساء عنيزة بالترحيب والبشاشة، وتمني الاستمتاع بالمهرجان، وقدم لنا الشيوخ نارهم وضيافتهم، مرحبين ومنشدين سامريات عنيزة الأصيلة، ومن الغضا الذي يستنبت في المهرجان ويعاد توطينه لنادي العربي، الذي قدم لنا تذاكر للرحلة تستحضر جمال وتفاصيل المكان والزمان، والتي تعيد الماضي لبهجة الحاضر.
كليجا "أم عبدالله" من معالم المهرجان اللذيذة التي يجب ألا تفوتك. وننتقل إلى سوق "المسوكف" مع امرأة اقترحت مهرجانا لـ"الحنيني"، ومع اعتراف مرشدنا السياحي بأن عنيزة رائدة الأفكار والابتكار بالمهرجانات.
في عيون الجواء ساحة السوق القديم، والمشقايق، وهي تشكلات طبيعية تصل الآبار وبنيت عليها بعض البيوت للحصول على الماء من داخل المنازل، لمقر مدرسة "عبدالله بن سلام"، رضي الله عنه، القديمة، التي كان اسمها المدرسة السعودية، والتي من أبرز خريجيها على قائمة المدرسة وزير المالية السابق الدكتور إبراهيم العساف، لمركز الملك فهد والمسجد والكليات التابعة بالمدينة الحديثة.
سيدهشك أصغر مرشد سياحي يستقبلك بالمدينة، وهو طالب بالصف الرابع الابتدائي يُدعى "وليد بن خالد اللميلم"، أحد أعضاء "مشروع سياحة وضيافة"، يشرح عن المدينة للسياح الأجانب باللغة الإنجليزية التي يجيدها!
منذ أن تقبل على عيون الجواء ستحضر معك معلقة عنترة بن شداد:
"يا دار عبلة بالجواء تكلمي.. وعمي صباحا دار عبلة واسلمي.
حييت من طلل تقادم عهده.. أقوى وأقفر بعد أم الهيثم"
قصة عنترة يحدثك عنها المرشد السياحي كما سبق أن حدثتنا عنها قصص التاريخ وبطولات عبس، حتى تقف عند الصخرة التي قيل إنها كانت حيث يلتقي عنترة بابنة عمه عبلة، التي مات ولم يتزوج بها على عادة العرب حين تشتهر قصة حب.
الصخرة هي جزء من جبل انفصلت عنه بسبب عوامل التعرية، وتقوم جهود سياحية لتحويلها إلى مزار سياحي، هي ومنطقة ذكرها أيضا عنترة في شعره، وهي "قو" أو "القصيباء"، كما تسمى اليوم، وبها ما تبقى من أطلال قصر متهدم مرتفع يشرف من علٍ على أرض شطرها قاع يحبس مياهه المالحة، والآخر تشكلات كالقبب تشبه مناطق استخراج النفط في المنطقة الشرقية، وتلتمع فيها كميات قليلة من حجر الكوارتز.
في القصيم ستجد أن المزارع بلا حدود، فحدودها النخل والأثل ترحب بالزائر، وفي القصيباء مزرعة فتحت أبوابها ضمن السياحة الزراعية بحدود جبلية وأرض مرملة، حوّلها صاحبها من صحراء لجنة للحمضيات والنخل ومزار سياحي.
في المذنب من المطل، لسوق المجلس، لمزرعة الحواس، لخيول التحمل، وفي البكيرية من مزرعة الفراولة التي تستثمر الطاقة النظيفة من الشمس، وتستقبل الناس في منتجعي الغزال بمساحات تصل إلى 13000 متر مربع، لمتحف دخيل الله العامر بالأحياء على جدرانه التي تضم أقفاصا زجاجية، تحوي أعدادا كبيرة من أقفاص زجاجية لحيوانات محنطة.
وفي نهاية المطاف ودعنا القصيم بمكانين، الأول محمية تلنتس للطيور ببريدة، وهي مشروع يقوم صاحبه على فكرة استثمار الهواية سياحيا، وله وسم يرعى فيه مشاريع غيره مجانا #هوايتنا_سياحة، في هذا المكان ستحط الطيور على يديك لتأكل الحب بطمأنينة، وبعدها توجهنا للملفى في عنيزة، وهو مكان لا يقل جمالا عما مر بنا، وكان الطعام الشهي الذي قدم لنا بيد بنات القصيم الماهرات.
الحديث يطول عن الرحلة، لكن باختصار الشكر والتقدير لصبايا "تور"، ولهيئة السياحة، ممثلة بالمرشدين السياحيين، وعلى رأسهم المرشد الأول بالقصيم محمد الحواس، الذي استقبلنا أول يوم ورافقنا وودعنا بأمنياته الطيبة. الرحلة باختصار نجاح باهر للسياحة يستحق الشكر والتقدير.

* نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.