ساطع في الغربة.. خافت في الوطن

محمد المختار الفال
محمد المختار الفال
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

يحمد لصحفنا المحلية أنها تحتفي بنشاط أبناء وبنات الوطن في الخارج، تتابع أحوالهم وتميزهم وأبحاثهم الفصلية وأوراق تخرجهم ومسابقات طلاب المعاهد والجامعات الغربية والشرقية، كل هذا محمود مقدّر، لأنه يبهج الطلاب ويسرّ أهلهم ويطمئن الوطن على سلامة هذا الجزء من ثروته الغالية، ويشكل جزءاً من قنوات التواصل مع المجتمع، لكن اللافت أن بعض الصحف تبحث وترصد وتضخم ما يساعدها على إقناع المتلقي بقضية «افتراضية» صنعتها وصنفت لها أعداء وأصدقاء، ورسمت لها ميدان معركة ودخلته لتخوض غمارها ضد من تخيلت أنه معارض يقف ضدها وعليها أن تدافع عنها بالبراهين والشواهد، حتى وإن كانت هشة لا يقوم عليها الدليل، هذه القضية «الفرضية» هي: «البيئة السعودية طاردة للإبداع وقاتلة للمواهب، والسعوديون مبدعون إذا وجدوا التربة الصالحة والبيئة المحفزة».

هذه القضية «المصنوعة» جعلت منها بعض الصحف وبعض كتابها موضوعاً محبباً يلحون عليه بإصرار متلاحق، يكشف عند بعضهم، في الكثير من الأحيان، أن الهدف من ورائه ليس تشجيع البحث العلمي أو تقويم مناهجه أو الدفاع عن مكانته في مراكز الأبحاث والجامعات، بل الهدف «المتواري» هو الهجوم على فئة معينة من المجتمع تتهم بأنها وراء كل مظاهر التخلف الذي يشكو منه الجميع، هؤلاء الكتاب، على تفاوت تأثيرهم وحضورهم في المشهد الإعلامي، لا يملون من الحوم حول هذه «القضية» والتطرق لزواياها المتعددة، يعظمون ما تحقق خارج الوطن، ويقزمون ما يسطع داخله، تراهم يتتبعون «أوراق التخرج» لطلابنا في الخارج ويحولونها إلى «مخترعات» غير مسبوقة تتهافت عليها مراكز الأبحاث وشركات التصنيع ورأس المال المغامر الذي يبحث عن الأفكار المميزة، ولا يلتفتون إلى مئات الأبحاث المميزة في معامل جامعاتنا ومراكز أبحاثنا، وأظنهم لا يفعلون ذلك رغبة في تجاهل المتحقق محلياً بقدر ما يهدفون إلى تعظيم المنجز خارجه، للدلالة على قدرة أبناء وبنات الوطن إذا ما «تحرروا من قيود البيئة».

الأسبوع الماضي، كتبت الدكتورة لمياء باعشن كلمة في صحيفة «المدينة» بعنوان: «لو أنها في السعودية»، أثارها حديث الإعلامية لجين عمران عن طالب سعودي يعمل «جرسوناً» في مطعم في أميركا للحصول على ما يغطي تكاليف دراسته، وأشارت الدكتورة لمياء إلى هذا الاتجاه الذي يُعنى بتسليط الأضواء على جهود وإنجازات أبناء وبنات الوطن في الخارج، ويغض الطرف عن جهودهم ومنجزاتهم في الوطن، وقالت إن هذا الطالب «الجرسون» لو كان في الوطن لما لفت نظر أحد، ولما لقي من الاهتمام ما لقيه ابن وطنه في الخارج، وضربت أمثلة عدة على تباين اهتمام الإعلام بإنجازات بنات الوطن في الداخل والخارج، بباحثات وعالمات وطبيبات سعوديات في الداخل، وقارنت نصيبهن من الأضواء بما تناله زميلاتهن اللاتي سطعت أسماؤهن في الخارج، ودعت إلى التخلص «من عقدة الخواجة التي تجعلنا لا نرى حسناً إلا بأيدي الغربيين». والذين يهتمون بهذا الموضوع ويتابعون ما نشرته الصحف، في الفترة الماضية وما تنشره، منذ انطلاق مشروع الابتعاث للخارج، عن اختراعات وابتكارات أبناء وبنات الوطن في الخارج ومقارنته بما أنجزه زملاؤهم وزميلاتهم في الجامعات السعودية، الحكومية والأهلية، يلاحظ الفرق الكبير، على رغم أن أعداد الطلاب والطالبات والباحثين في الجامعات السعودية يفوق الأعداد الدارسة في الخارج مرات عدة.

ومن دون التقليل من أهمية وقيمة الاحتكاك بالبيئات العلمية المتطورة وأثرها في تحفيز القدرات وصقل المواهب وخلق روح المنافسة والدوافع للتميز، فإن هناك الكثير مما ينجز في الداخل من دون أن يحظى بما يلقاه البارزون من طلابنا في الخارج، مما قد يدعو إلى الاعتقاد بأن المعالجة الإعلامية والمتابعة المستمرة والتعليقات المادحة تتجاوز الاهتمام بالجانب العلمي البحت إلى «رسالة» تنتقد أسلوب الحياة السائد، وهذا مجال واسع، والاختلاف فيه طبيعي ومشروع، ويتفق مع تطور المجتمعات الإنسانية وتاريخ الأفكار وتدافعها، ولا يعيب أحداً أو فئة تباين وجهات النظر فيه، بل هو دلالة قوة وبرهان على سلامة البيئة وصحتها وقدرتها على استيعاب مفهوم الاختلاف ومقتضياته وطرق معالجته، لكن قد يكون من الأصوب أن تعالج هذه القضية «نقد المفاهيم السائدة» بصورة واضحة، ترسم حدودها، وتحدد محاور نقاشها، وتقترح مناهج معالجتها بعيداً عن «مخاتلتها» بالحديث عن تميز الطلاب في الخارج وضعف إنجازاتهم في الداخل. ولا بد، في هذا السياق، من التأكيد على أن بروز أبناء وبنات الوطن في الخارج مصدر اعتزاز وتشريف، ودعمهم وتعزيز حضورهم ومشاركتهم في المحافل الدولية مطلب وطني يصب في قناة عزة وقوة الوطن، لكن «تضخيم» المنجزات والمبالغة فيها وإعطاءها حجماً أكبر من حقيقتها، منهج «مخادع» يضر أصحابه قبل غيرهم، ولا يساعد على تحفيز آلاف المميزين في المعاهد والجامعات ومراكز البحث العلمي على امتداد الوطن، بل «يغمط» حقهم، ويدفع الكثيرين منهم إلى الشعور بأن المجتمع يجحد منجزاتهم ويتنكر لدورهم، وبالتالي هو لا يستحق ما يبذلون من أجل تطوره ورفعته.

وليس من مصلحة الطلاب والباحثين المبتدئين أن نصورهم «عباقرة» بلغوا قمة المجد والشهرة وفاقوا أقرانهم في العالم وهم لا يزالون في بداية الطريق يرصدون ويتعلمون ويقتفون أثر من سبقهم من العلماء، وهناك فرق كبير بين «خطة» وطنية لدعم المواهب وتبني أفكارهم ومساعدتهم على تطويرها، وبين «عشوائية» تسوقها العاطفة ولا يضبطها نظام، تضخِّم الأشياء وتقزمها بحسب ما يخدم أغراضها، بغض النظر عن آثارها على مجمل نتاج الوطن من علوم العصر.

أرى أن يتجاوز المعنيون بقضايا المجتمع في بلادنا مرحلة «الترميز»، التي اضطر إليها الكُتَّاب في مرحلة ماضية من تطورنا، إلى قدر من الوضوح يساعد على فهم نقاط الاتفاق ومواطن الاختلاف، ليصار إلى إدارة حوار راشد هدفه مصلحة هذا الوطن بكل مكوناته.

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.