.
.
.
.

الأسباب المادية أولا

فهد عامر الأحمدي

نشر في: آخر تحديث:

سيدة متزوجة حديثا اتصلت بشيخ معروف كي تسأله عن كثرة النمل والصراصير في منزلها وهل يعود السبب (كما أخبرها البعض) إلى إصابتها بالعـين والحسد أو وجود عمل سحري في منزلها؟..

الشيخ لم يجارها في هذا الرأي ونصحها بالاهتمام بنظافة بيتها إن أرادت التخلص من النمل والصراصير..

هـذه الفتوى ــ على طرافتها ــ تتضمن دروسا في المنطق، وطريقة الإفتاء، وضرورة تفكيرنا بطريقة عملية (حتى مع تسليمنا ببعض الغيبيات الدينية)..

... لاحظ مثلا أن الشيخ لم ينكر حقيقة العين والحسد (ولا حتى إمكانية العمل السحري) ولكنه أعادها فقط إلى الصواب ووجهها إلى الأسباب الحقيقية والاحتمال الأقرب للواقع.. نصحها بالنظافة كون "الوساخة" هي السبب الأقـرب مقارنة بالعين والسحر والحسد (التي تعد احتمالا بعيدا).. كان يفترض بالمتصلة (قبل أن تشغل المشائخ بقضايا لا تخصهم) الاتصال بشركة متخصصة في إبادة الحشرات أو البحث في الانترنت عن أفضل الطرق التخلص منها...

مشكلتنا الحقيقية لا تكمن في إيماننا بـالعين والسحر والحسد، بــل في تحويلها إلى شماعة نعلق عليها أسباب فشلنا وكسلنا وعجزنا عن التصرف.. هوسنا الدائم بالمؤثرات الغيبية يجعلنا نبحث دائما في الاتجاه الخاطئ ويضعنا في حالة شك دائم بالناس المحيطين بنا.. فما أن نخسر مالا أو تجارة حتى نعيد ذلك إلى عـين حاسد.. وما أن يصاب أحدنا بالصرع حتى نـتهم الغـير بتسلط جني عليه.. وما أن يفارق الرجل زوجته أو يقترن بغيرها حتى نعيد ذلك إلى عمل سحري ضدها (وليس مثلا فشلها في كسب محبته)..

لا أحد ينكر وجود نـصوص شرعية تـتعلق بالمسببات الغيبية، ولكنها نصوص تؤكد وجودها وليس إلزامية حدوثها.. تظل حالات استثنائية نادرة أو مخالفة للواقع (مثل محاولة ربط الصراصير بالسحر) مقارنة بالأسباب المادية الأكثر انتشارا وأقرب للواقع (كـانتشار الصراصير في أي منزل تتراكم فيه النفايات العضوية)..

ـــ أيها السـادة؛

يجب أن نفكر في الاتجاه الصحيح إن أردنا التقدم في الاتجاه الصحيح.. يجب أن نفكر (أولا) بـالمسببات المادية قبل الغيبية كونها الأقرب للمشكلة والأكثر توافقا مع عالمنا المادي المحسوس.. يجب على علمائنا وشيوخنا عدم تشجيع المستفتين على التنطع في الأسئلة أو التعلق بالخوارق وإعادتهم دائما إلى أرض الواقع (كما فعل الشيخ الذي بدأنا به المقال)...

... ذات يوم سأله رجل الإمام الشعبي (وهو تابعي وفقيه ولد في خلافة عمر بن الخطاب):

ــ "إذا دخلت النهر لأغتسل فهل أجعل وجهي تجاه القبلة أم عكسها؟"

أجابه الشعبي:

... اجعل وجهك باتجاه ملابسك كي لا يسرقها أحــد...

*نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.