التعاملات الإلكترونية.. هندسة فكر وإجراءات وحوكمة
عندما تقرر أي دولة أن التعاملات الإلكترونية هي الوسيلة الوحيدة والحضارية لإنهاء الإجراءات الحكومية فإن هذه الإرادة لا مجال لكسرها أو إهمالها أو تنفيذها لمجرد التنفيذ والشو الإعلامي.
اليوم تجربة المملكة في الربط الإلكتروني والتعاملات الإلكترونية تعتبر رائدة، وحظيت بمراتب عالمية وإقليمية متقدمة، وهذه التجربة السعودية لها أكثر من خمسة وثلاثين عاماً وربما أكثر منذ أن تأسس المركز الوطني للمعلومات التابع لوزارة الداخلية وبرنامج (يسر)، وأتذكر وقتها عن الجواز الإلكتروني وبطاقة الأحوال والرخص الإلكترونية، وقد رأيت ونشرت صوراً لها في تحقيق صحفي... يعني أن أموراً جاهزة من أكثر من ربع قرن، وعندما شاءت الإرادة ظهرت كل هذه التقنيات والخدمات بشكل متوالٍ، وأصبحت التعاملات الحكومية الخاصة بخدمات وزارة الداخلية وعلى رأسها (أبشر) بالرغم من خصوصيتها وحساسيتها الأمنية من أسهل وأجود الخدمات على المستوى الإقليمي والدولي، ويسرت على الناس الإجراءات والمراجعات والطوابير الطويلة، وقللت العبء والوقت والمال على الوزارة والناس، وقد سبقتها تجربة البنوك الرائدة بالرغم من أنها تجربة مالية، نسبة المخاطرة فيها عالية، إلا أنها كانت متفوقة، وكذلك نظام المدفوعات الذي كان رافداً مهماً لهذه التعاملات، وقلل من الإجراءات ومن الفلوس التي كانت تدفع تحت الطاولة، وحُوكمت التدفقات المالية الناتجة من الرسوم الحكومية.
اليوم نحن مازلنا في مرحلة الربط والتعاملات الإلكترونية للوصول إلى الحكومة الإلكترونية ثم لننتقل إلى الحكومة الإلكترونية الذكية، وفي ظل هذا التوجه المحلي والإقليمي إلا أن بعض الجهات كما يبدو إما أنها تعاني من قصور معرفي في مثل هذه التحولات والتقنيات أو أنها مازالت تقاوم بشراسة الخدمات الإلكترونية لكسب المزيد من المصالح المالية عبر الوسطاء أو ما نسميهم المعقبين أو لوجود مصالح اجتماعية كالواسطة والمحسوبية... والدليل على ذلك أنها لم تعمل سوى نقل الشروط والطلبات من الورق إلى النماذج الإلكترونية بنفس التعقيدات والبيروقراطيات، بالإضافة إلى أنك لا تدري من تحاكي للتظلم أو الاعتراض مما عقد الإجراءات وتضررت مصالح الناس، وأخيراً لا حياة لمن تنادي إلكترونياً.
أعتقد نحن بحاجة إلى تحول معرفي وسلوكي إداري لمن هم يعملون خلف هذه الإجراءات الإلكترونية، فليس من الحضاري ولا المنطقي ولا حتى تنموياً أن تتحول من الإجراءات الإدارية التقليدية الورقية إلى الإلكترونية من دون أن يسبقها إعادة هندسة للإجراءات والعقول والنفسيات، وليس من العقلاني تقديم خدمات إلكترونية بقصد التسهيل على الناس وتسريع الإجراءات، وهناك من يقف خلفها وهو في حالة من الشك وأزمة الثقة في الآخرين، وإنهم سوف يحتالون على هذه الخدمات ويغشون الدولة وتدفعهم هذه الأمور إلى تدبيل الطلبات، ويتحول من مسهل وخادم للناس إلى محقق ومشكك في نواياهم، وكل «شويه» يطلب طلباً يتلوه طلب.
أعتقد أنه حان الوقت لوقف هؤلاء عند حدهم ومحاسبتهم، وحوكمة وهندسة الإجراءات والأفكار والسلوكيات.
*نقلاً عن "الرياض"